3‏/3‏/2015

ديستوبيا العالم المريض: خمسة أفلام عن الأوبئة

الكوليرا،الجدري، الجذام، الجمرة الخبيثة، سارس، انفلونزا الطيور، كورونا، وغيرها؛ أوبئة أرّقت البشرية طويلاً وأودت بحياة الكثيرين قبل أن يتوصل العلماء إلى دواء يحد من تأثيرها القاتل. العام الماضي تصدر فيروس إيبولا العناوين  بعد تفشيه في غرب أفريقيا الأمر الذي قضي على حياة الألاف في أكثر من بلد منذ مارس الماضي. تبدو قصة الفيروس وكأنها خارجة من أحد أفلام هوليوود التي استهوتها فكرة انتشار الفيروسات لعقود طويلة. إذا كنت من محبي تلك الأفلام التي تتناول الأوبئة الخطيرة وتفشي الفيروسات المجنونة وأردت الدخول في لعبة احصائها فقد تفاجىء بذلك العدد الكبير الذي اتخذها موضوعا له. الأوبئة والفيروسات المميتة كانت تيمة حاضرة على الدوام في الأفلام السينمائية ولا يخلو عِقد دون أن نجد حفنة من الأفلام التي تتكيء عليها لتمرر عبرها رسائلها واسقاطاتها المختلفة.  منذ العام 1950 وفيلم Panic in the Street  (حيث ريتشارد ويدمارك وبول دوجلاس يحاولان ايقاف تفشي العدوى في نيو أورليانز) إلى World War Z في العام الماضي (وفيه يسابق براد بيت لانقاذ العالم من هجمة فيروسية زومبية)؛ كانت العدوى القاتلة بؤرة اهتمام العديد من الأفلام المثيرة.
 نقدّم لكم خمسة من أفضل تلك الأفلام التي أفرزتها مخيلة صانعي السينما في الألفية الجديدة في محاولتها لملاحقة الواقع أو التنبؤ الكارثي بمستقبله من خلال مقاربتها لموضوع الأوبئة.


Pontypool (2009)

في أحد الصباحات الثلجية يوافق "يوم الفالانتين" في بلدة كندية صغيرة تسمّى "بونتيبول"، نتابع جراند مازي (ستيفن ماكهيتي) في طريقة لوظيفته الجديدة كمذيع لبرنامج صباحي في إحدى الاذاعات المحلية. يتلو أخبار اليوم شبه نائم، بملل واضح يقوم بعمله إلى أن يصله تقرير من كين، مراسل في سيارة إرسال إذاعي قابعة على إحدى التلال، يأتيه بأخبار عن تجمع عدد من المحتجين أمام مكتب أحد الأطباء المحليين وأنباء عن فوضى أدت إلى مقتل عدد من الأشخاص.  تتطور الأحداث  لتطوّق الشرطة الكيبيكية البلدة بالحواجز.  كين يتصل بشاهد عيان يؤكد على أن هناك عصابات متنقلة تهاجم سكان البلدة. في الأخير، يسمع مازي ومنتجتي البرنامج - سيدني (ليزا هولي) ولاوريل آن (جورجينا رايلي)- أن "بونتيبول" تحت الحجر الصحي. ولا أحد يعرف السبب.
في بث إذاعي غامض بالفرنسية يٌقدم خيط لحل اللغز، حيث يأتي فيه: " رجاءً، تجنبوا  الإتصال بأفراد العائلة المقربين.. الإمتناع عن جميع أفعال التودد.. يرجي تجنب اللغة الإنجليزية".بطريقة ما يبدو وكأن الكلمات تحيل الناس إلى مجانين عنيفين أو ربما تعمل كحوامل لعدوى ما هي المسئولة عن رغبة الناس في مهاجمة الآخرين. محاصرين في المحطة الاذاعية مع تزايد عدد "المصابين" بالخارج، يحاول الثلاثة ايجاد طريقة للبقاء .بدون فعل أكثر الأشياء طبيعية بالنسبة لبرنامج إذاعي 

مستوحياً قصة الكاتب توني بورجيس يصنع  المخرج الكندي بروس ماكدونالد فيلمه حول بلدة تسقط في قبضة هجمة غامضة ليست من قبل الزومبيز، ولا الانفصاليين ولكن من انهيار الاتصال الطبيعي بين الدال والمدلول. النقطة الأبرز في هذا الفيلم -المربك فكريا والمختلف عن أفلام الرعب- هي تلك الكثافة الهادئة التي ينبني عليها الفيلم، تماما كتفكيرنا الذي يذهب لتخيل ما يحدث في العالم الخارجي. بارع ومختلف ومبتكر، "بونتيبول" فيلم رعب مثقف يثبت أن كل ما تحتاجه لضخّ الاثارة والتشويق هو سرد جيد وبعض الممثلين المتمكنين كي تشرق الحكاية.



Children of Men (2006)

نحن في عام 2027  وأصغر إنسان على وجه الأرض قد مات.كان شابا يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً. الخبر يتصدر النشرات الاخبارية. لماذ؟ لأنه منذ ثمانية عشر عاماً ولسبب غير معروف، عقمت نساء العالم عن الانجاب ويحاول مجموعة من العلماء في "المختبر الانساني" العمل على بحث وحل تلك الكارثة. مع الوضع في الاعتبار احتمال انتهاء الوجود البشري بأكمله بعد نحو خمسين عاماً، صارت حلوق البشر ممتلئة بمرارة الفناء ويشرف العالم على انتهاؤه مبكرا بفعل حالة من العنف والغضب العدمي. يتم إعلان الأحكام العرفية في إنجلترا بسبب العنف العشوائي للارهابيين المسلمين، ويصبح المهاجرين مشتبه بهم كإرهابيين. منظمة سرية تدعى "السمكة" تنشط للمطالبة بحقوق المهاجرين غير الشرعيين وتعتبرها الحكومة الانجليزية إرهابية. القمامة تملأ الشوارع والبنايات التي تقصفت بفعل قنابل الارهابين بقيت على حالها. في ذلك الجو الكابوسي القاتم نتابع ثيو (كليف أوين)، موظف حكومي مثالي ولا ينقصه الحس الساخر، متحركاً صحبة زجاجة خمر وعلبة سجائر بعد نجاته بالمصادفة من تفجير إرهابي، يذهب لمقابلة معتادة لصديقه القديم جاسبر (ميشيل كاين) الذي اختار العزلة مع زوجته المقعدة رفقة حيواناتهما في الغابة. رتابة تلك الحياة يقطعها اختطاف ثيو من قبل المنظمة والتي يفاجيء بأن زعيمتها جوليان تايلور (جوليان مور) هي نفسها حبيبته السابقة قبل عشرين عاماً. تطلب منه تايلور استخراج جواز سفر لكاي (كلير هوي اشيتي) فتاة سوداء صغيرة دخلت البلاد بطريقة غير شرعية. وتحمل الأمل للإنسانية داخل بطنها الصغيرة. يفعل ثيو كل ما يمكن من أجل حماية كاي والوصول بها إلى "المختبر البشري" فربما يتمكن العلماء من ايجاد لقاح لعلاج العقم البشري.

يستغل المخرج المكسيكي الفونسو كوارون القصة المستقبلية كي يتحدث عن الحاضر، حاضر ما بعد 11 سبتمبر ويذكّر أوروبا بمخاوفها حول الهجرة غير الشرعية، والتطرف الاسلامي، والتضييق على الحريات المدنية وتصفير معدلات النمو السكاني، معطياً درساً لمخرجي هوليوود في اخراج أفلام أكشن ذات بعد إنساني وفكري يتجاوز مطاردات السيارات وتفجيراتها.


 [REC] (2007)

فيلم الرعب الأسباني الذي أصبح بداية لسلسلة من أربع أفلام تالية حملت نفس الإسم إضافة إلى إعادة سينمائية Remake أمريكية بعد عام واحد من انتاجه. يحيلنا اسمه إلي زر التسجيل Record في الكاميرات الرقمية، ويحكي من وجهة نظر طاقم تليفزيوني محلي يقوم بتصوير احدي الحلقات عن عمال الاطفاء ضمن سلسلة لتليفزيون الواقع. مقدمة البرنامج آنخيلا (مانويلا فيلاسكو) والمصور بابلو يقومان بزيارة ليلية لاحدى مراكز الاطفاء ببرشلونة وأثناء وجودهم يتلقى المركز مكالمة عن امرأة عجوز محاصرة في شقتها. يهرع لنجدتها ضابط وإطفائيين: مانو (فيران تيرازا) و أليكس (ديفيد فيرت) ويصاحبهما آنخيلا وبابلو ليصوروا المهمة. يكسر الرجال باب الشقة ليفاجئوا بتلك العجوز الصائحة، في لباس نوم ملطخ بالدماء، تهاجمهم وتعض أحدهم فيتحول إلى زومبي هائج. لا يمر وقت طويل حتى يتم تطويق البناية وعزل سكان المجاورة وادخالهم الحجر الصحي وسط حديث صارخ من رجال البوليس حول خطر العدوى. يجد بابلو وآنخيلا  والسكان أنفسهم مطالبين بمكافحة العدوى الزومبية وتجنبها في نفس الوقت. ما سيحدث بعد ذلك لا يجب حرقه.

الفيلم اعتمد تصويراً مهزوزاً، وساعد استخدام مخرجيه لتكنيك ابراز وجهة نظر الكاميرا من خلال الكلوز أب على ابقاء التوتر والرعب حاضرين. حيث تدور الكاميرا أفقياً Panning إلى جانب ما لتفاجيء المشاهد بما لا ينتظره. هذا الاستخدام لوجهة النظر أضفى على الفيلم طابعا شخصيا وكثّف من احساس الواقعية في الأحداث.



28 Days Later (2002)

مجموعة من نشطاء حقوق الحيوان تداهم مختبراً بحثياً من أجل تحرير بعض قردة الشمبانزي. رغم تحذيرات أحد العلماء من خطورة تحريرهم لاحتوائهم على فيروس يسبب غضباً قاتلاً. لا يلتفت النشطاء للتحذير ويقررون التأكد بنفسهم من العواقب التي يختبرونها سريعاً حين ينتشر الفيروس فيتلوون على الأرض ويقيئون دماً. من هنا تبدأ الكارثة.
بعد ثمانية وعشرين يوماً. في لندن، ساعي يدعى جيم (سيليان مورفي) يستيقظ من غيبوبته في المستشفى وحيداً وشاحباً كجثة. يترك المستشفى الخالي ويجوب في شوارع لندن الخالية أيضاً من البشر، ما يترك لديه سؤال معلّقاً عن حقيقة ما حدث للعالم. قريباً، يلتحق ببعض الناجين: سيلينا (ناومي هاريس)، مارك (نوه هنتلي) وزوج مكون من أب وابنته فرانك (برندن جليسون) وهانا (ميجان برنس). معظم المصابين قد ماتوا بالفعل بينما الأحياء منهم يترنحون في المدينة مثل زومبيز بعيون زرقاء، باحثين عن هدف يصبّون عليه غضبهم. يتابع الفيلم بعد ذلك رحلة الناجين للحفاظ على وجودهم في مواجهة متاعب وجودية ليس أصعبها: كيف تقتل شخصاً تحبه إذا شككت باصابته بالفيروس؟

صوّر المخرج داني بويل الفيلم بكاميرا ديجيتال ما أعطاه واقعية مشاهد الفيديو ويظهر ذلك جلياً في مشاهد التي تظهر المشية المتمايلة والمهزوزة للمصابين في حين تخرج الدماء من عيونهم ويحاولون تدمير كل شخص "سليم" من حولهم. وحافظ على جو الفيلم الكابوسي، والنظرة التشاؤمية للمستقبل دون إهمال لحظات نادرة من الإيمان بالانسانية.



Contagion (2011)

يذكّرنا "عدوى"بأفلام الكوارث في السبعينيات من حيث اجتماع حفنة من الممثلين النجوم لأداء أدوار شخصيات مقذوفة في أجواء الدمار والموت والتي يبدو وكأنها وجِدت خصيصاً لهم. المخرج، غزير الانتاج، ستيفن سودربيرج يؤسس لحكايته بلقطات لمجموعة مجهولة من الناس في أماكن مختلفة من العالم -من هونج كونج إلى شيكاغو مروراً بلندن- وتخبرنا العناوين على الشاشة احصائيات عن نسب التلوث في مجموعة من مدن العالم الرئيسية. سيدة الأعمال الأمريكية بيث ايمهوف (جوينث بالترو) على متن طائرة عائدة من هونج كونج وتبدو اصابتها بما يشبه البرد، لكن حين تصاب بتشنجات وتموت بعد يومين من وصولها لمينابوليس، يبدأ الأطباء في التفكير في أسباب أكثر خطورة لتلك الميتة الغريبة والمفاجئة. يحاول الزوج المفجوع، ميتش (مات ديمون) استيعاب ما حدث وتأتي ابنته المراهقة، جوري ( آنا جاكوبي-هيرون) للعيش معه بعد رحيل زوجة أبيها، ليجد الاثنان نفسيهما لاحقاً في قلب حدث عالمي خطير.
قصص مشابهة لتلك العدوى المميتة تبدأ في الظهور في أنحاء مختلفة من العالم – من الصين لإنجلترا وصولا لليابان- ما يستدعي تحرك الجهات الصحية الأمريكية والعالمية لمواجهة الخطر.  نائب مدير المركز الامريكي للتحكم بالأمراض إليس شيفر (لورنس فيشبورن) يبعث الدكتورة إيرين ميرز (كيت وينسلت) إلى مينابوليس للتحقيق في ملابسات إصابة بيث والأسباب المؤدية إلى وفاتها، في نفس الوقت التي تهرع ممثلة منظمة الصحة العالمية يونورا أورانتس (ماريون كوتيار) إلى هونج كونج للغرض نفسه. بينما تعمل الطبيبة في المركز االامريكي للأمراض، آلي ايكستل (جنيفر ايلي)  على دراسة الفيروس الجديد والتوصل إلى مصل مضاد، يبدا المدوّن آلان كرومويدي (جود لو) على الساحل الغربي في سان فرانسيسكو، في جذب الانتباه والترويج لنظرية مؤامرة خاصة به عن تعمّد المركز إخفاء العلاج الجديد عن المواطنين والذي سمّاه "فورسيثيا". يتنامى الذعر والشك والبارانويا بسرعة كبيرة مع تقافز أعداد المصابين من مئات إلى آلاف إلى ملايين، مع محاولات المسئولين لوقف المدّ القاتل في الوقت الذي يكافح فيه المواطنون المرض والانهيار الاجتماعي.

يقدّم سودربيرج فيلماً مقبولاً استنادا على سيناريو جيد لسكوت بيرنز  عن فيروس قاتل ينتشر في العالم كالحريق رغم الجهود الكبيرة للحكومات والمؤسسات والأفراد. محاولا نقل الفزع والفوضى الناتجين عن الكارثة على الصعيد الشخصي والمحلي والعالمي، واظهار التحركات ضد وقف الفيروس كمعركة للبقاء الانساني تخرج أفضل وأسوأ ما في النفس البشرية، حيث الموت البشع والسريع إمكانية مرجحة.



17‏/2‏/2015

"The Immigrant".. تفكيك الحلم الأمريكي



مخرج هذا الفيلم، جيمس جراي James Gray ، يبدو شاذاً على المشهد الهوليودي المعاصر، فخلال مشواره الاخراجي الذي شهد خمسة أفلام دأب عبرها على تأكيد حساسيته الخاصة والتي تتجاوز التأثير اللحظي وتحتوي الفيلم بعاطفة صادفة وميزانسين  mise-en-scene خالٍ من الهفوات. في الثالثة والعشرين من عمره يتخرّج من برنامج الأفلام التابع لجامعة كاليفورنيا الشمالية USC: مخرج من الجيل الثاني للمهاجرين الروس اليهود، قادم من الأحياء البعيدة لنيويورك.  أول أفلامه Little Odessa كان في عام 1994 وتدور أحداثه في المجتمع الروسي ببروكلين. قام ببطولته تيم روث Tim Roth وإدوار فورلونج Edward Furlong، ولسوء حظّه تزامن ظهوره مع فيلم آخر لتيم روث ولم يكن ذلك الفيلم سوى Pulp Fiction الذي تصدّر الصورة تماماً. Little Odessa فيلم جريمة بمسدسات وعصابات ولكن بدون الثرثرة اللفظية والألعاب الكلامية التي احتشد بها فيلم تارانتينو Tarantino. بدايته السينمائية كانت متقشفة بدون بهرجة ولسنا بحاجة للقول بأنه لم يحقق نجاحاً كبيراً في شباك التذاكر. يمكن التحسّر على الزمن الذي ظهر فيه جراي، حيث يبدو وكأنه ليس هناك وقتاً أسوأ مما ظهر فيه على الساحة السينمائية. إذا كان ثمة سَكّ افتراضي للقبول في التيار الرئيسي mainstream للسينما الأمريكية فسيكون للسخرية الباردة، في حين أن أفلامه جادة دون خجل. الموضوع الحاضر فيهم جميعاً هو "إستحالة الهروب من العائلة". في Little Odessa تيم روث قاتل يعود لأرضه القديمة وأسرته التي اغترب عنها في الجحيم. في The Yards من بطولة يواكيم فينيكس Joaquin Phoenix (والذي عمل معه المخرج في كل أفلامه التالية) ومارك والبرج Mark Wahlberg حياة الأخوين تتدمّر حين يرتكب أحدهما جريمة قتل ويحاول الصاق التهمة بالآخر. في We Own the Night  يعود الثنائي في دور أخوين يسعيان للانتقام لمقتل أبيهم، قائد الشرطة، على يد العصابات الروسية. آخر فيلمين لجراي شكّلا خروجاً نسبياً على تيمة العائلة: Two Lovers كان معالجة فضفاضة لاحدى قصص دوستوفسكي بدون أياً من عناصر النوع genre التي طبعت أعماله الأولى، فينيكس، مرة أخرى، لعب دور رجل ثلاثيني، هشّ، يعيش مع والديه ويحاول التكيّف مع زوجة مفترضة اختارها له والديه (ابنة مالك منافس لأحد مغاسل الدراي كلين). فيلمه الأخيرThe Immigrant  من بطولة ماريون كوتيار Marion Cotillard في دور مهاجرة بولندية تصل نيويورك على غير هدى ومستعدة للتضحية بنفسها لانقاذ شقيقتها.

الاخفاق التجاري والاهمال النقدي لجراي في بلده يضعان علامة استفهام كبيرة. أفلامه الثلاثة الأولى كانت أفلام جريمة من نوعية نادرة، أيضاً مليئة بضباط الشرطة والعصابات، وضمت أسماء نجوم كشارليز ثيرون Charlize Theron وإيفا مينديز Eva Mendes. ولكن وحدهم الفرنسيون، كعادتهم، انتبهوا إلى المخرج وأولوه الاهتمام اللازم. أربعة من أفلام جراي الخمسة عرضت في مهرجان كان السينمائي، يبدو نجماً هناك في مقابل اهماله من قبل المتابعين الكاجوال casual cinephiles من الناطقين بالانجليزية، هؤلاء الذين ينتظرون الفيلم الجديد لويس أندرسون Wes Anderson. ملاحظة تلخّص الكثير. في حوار إذاعي جرى العام الماضي، تحدث جراي عن الطريقة التي جعلت أندرسون، وهو صديق له بالمناسبة، علامة تجارية للنجاح السينمائي من خلال "اصراره على أسلوبه السينمائي وتعويد المشاهد عليه".  ولكن أندرسون، في نهاية المطاف، متعهّد الـ deadpan affect، مسلّي ومطمئن. في حين أن عالم جراي مفتوح على المآساة، وقدرة شخصياته على التحكم بمصيرها تكون واهية في أفضل الأحوال، وهذه فكرة غير شعبية في أمريكا التي يسعي غالبية جمهورها لأفلام تمنحه شعوراً جيداً Feel-good films، وحيث الرابحون والخاسرون losers ثنائية يُنظر للحياة (والأفلام كذلك) من خلالها.


أفلام جراي ليست متعالية على الحراك الاجتماعي. هو واحد من القلة النادرة من السينمائيين الأمريكيين المهتمة بالطبقة الاجتماعية، والطريقة التي تؤثر بها في رسم حياة الجميع عدا أولئك الأكثر حظاً وموهبة. هذا الاهتمام لم يكن بصورة أوضح مما هو في The Immigrant الذي يبدو من نواحٍ كثيرة كتفكيك للحلم الأمريكي: إيفا (ماريون كوتيار Marion Cotillard بأداء رائع كعادتها) تهاجر مع شقيقتها ماجدة (Angela Sarafyan) إلى نيويورك في عام 1921 لاقامة حياة جديدة. فور وصولهما، يتم احتجاز ماجدة، المصابة بالسلّ، في الحجر الصحي. حائماً حول منطقة الوصول، برونو القوّاد (قام بدوره يواكيم فينيكس Joaquin Phoenix) يستخدم ماله لرشوة حارس، وحيله ليأخذ إيفا إلى منطقته. لاحقاً، يدلي برونو بجزرته إلى إيفا البريئة: إذا واظبت على عملها في البغاء فسوف تقتسم المكسب مع برونو وتكون بذلك قادرة على شراء وسيلة لاخراج شقيقتها من الحجر الصحي على جزيرة إليس.

يرى الكثيرون جراي كمخرج من السبعينات، خارج عن الزمن، ويظهر ذلك جلياً في The Immigrant. من الصعب رؤية أياً من المشاهد على جزيرة إليس بدون التفكير في الجزء الثاني من The Godfather والشحوب الخريفي الذي يستدعي كوبولا Coppola ومدير تصويره جوردون ويليس Gordon Willis وهناك تناصات في قصة الفيلم مع La Strada  لفيلليني Fellini. ولكن مراجع جراي ليست كلها سينمائية. في حوار مع جوردان منزر Jordan Mintzer، أشار جراي إلى المؤثرين عليه: إدوارد هوبر Edward Hopper، ماكس بكمان Max Beckmann، هيتشكوك (استخدامه لتصميم الصوت خصوصاُ)، فيسكونتي Visconti (والذي يظهر تأثير فيلمه Rocco and his Brothers في أكثر من فيلم من أفلام جراي الأولى).
 ثم هناك فوق كل هؤلاء: شكسبير Shakespeare. يتحدّت جراي في الحوار عن مشاهدته لعرض في السنترال بارك Central Park  لمسرحية Measure for Measure وفيها يُحكم على رجل بالاعدام، فتتوسّل أخته، الراهبة، إلى القاضي للتراجع عن قراره. القاضي يوافق بشرط أن تنام معه، أو كما يقول جراي "السؤال هو: هل تدمّر نفسها أمام الله، أم تُبقي على طهارتها ويموت أخوها؟. إنها معضلة لا تُصدّق". لا تُصدّق فعلاً تلك التراجيديا الشكسبيرية التي أتى بها جراي إلى The Immigrant مُغيّراً فقط من جنس الأخ السجين. ووفياً للشكل، قدّم رؤية قائمة وإنسانية أيضاً لمهاجرة تتنازل عن نفسها في سبيل إنقاذ شقيقتها، والرجل الذي يجبرها على القيام بذلك ليس شيطاناً في النهاية. نسخة جراي ليست عن إيفا التي تصارع في سبيل ألا تتنازل عن نفسها، ولكن عن صراعها مع الآثار اللاحقة لقرارها بالتنازل.

الفيلم يحتوي على لقطات تعرض الأشياء مع إتساع المسافة إليها. أولها تمثال الحرية، كما نراه من قارب في المحيط. إنها كناية تقليدية ولكنها هنا قوية في الاشارة إلى الحلم الامريكي الذي يبتعد عن المتناول. ولكن على مستوى أكثر شاعرية فهي تتوافق مع الجو الضبابي والشبحي للفيلم الذي يستوحي بشكل متساوي ذكريات جدي المخرج، المهاجرين البولنديين، وأوبرا Il Trittico لبوتشيني. فيلم يمضي في قصته بطريقة زمنية خطية للأمام ولا ينفك يعطي الشعور بأثير الذاكرة. تلك التأثيرات المتباينة –استعادات شخصية ملتحمة بالدراما المسرحية- ساهمت في اعطاء الخصوصية لتلك الميلودراما التي ابتعد فيها جراي عن حشدها بالكثير من اللحظات الكبرى Big Moments مثلما هو الحال في تلك النوعية من الأفلام، وبدلاً من ذلك استعان بمدير التصوير الرائع داريوش خونجي Darius Khondji ليصوّر بطبقات ناعمة ومصقولة من البني الداكن Sepia ورطة إيفا في أمريكا، وذلك بهدوء تام وكآبة لا تخطأها العين.

مع اعتقادي بأن The Immigrnt تفكيك للحلم الأمريكي، فهو ليس هدماً بالمطلق لتلك الفكرة. في نهاية الفيلم، برونو الذي وقع في غرام إيفا، يصل بها إلى جزيرة إليس حيث يقدّم له أحد الحرّاس الخدمة الاخيرة ويطلق سراح ماجدة. في إنعكاس مختلف لمشهد الفيلم الافتتاحي. اللقطة الأخيرة غامضة بشكل مقصود، مثل كل اللقطات الأخيرة في أفلام جراي، ولكن بالنسبة لي تبدو متفائلة إن لم تكن حلوة ومرة bittersweet: إحدى الشخصيات تملك فرصة لبدء حياة جديدة، وحياة أخرى توشك على الانتهاء، أو كما تقول إيفا: "الشخص الذي جعلني أعاني، يعاني الآن من أجلي. تعلّمت التسامح".



الفيلم: The Immigrant
إخراج: James Gray
إنتاج: 2013


5‏/2‏/2015

"يومان وليلة".. الشجاعة من أجل الوجود





الطريقة الوحيدة لوقف البكاء هي القتال من أجل وظيفتك" يقول مانو (فابريزيو رونجيوني Fabrizio Rongione) لزوجته ساندرا (الرائعة ماريون كوتيار Marion Cotillard) في الفيلم البلجيكي "يومان وليلة". ساندرا، التي كانت في اجازة مرضية من عملها في مصنع لألواح الطاقة الشمسية بسبب معاناتها مع الاكتئاب، على وشك العودة إلى عملها عندما تتلقى مكالمة هاتفية –الفيلم يبدأ مع رنين الهاتف- تعلمها بأنه ما من وظيفة يمكنها العودة إليها. زملائها في المصنع صوّتوا لصالح حصولهم على مكافأة بدلاً من استعادتها لعملها. بمجرد أن تضع ساندرا سماعة الهاتف، تقول لنفسها "يجب ألا تبكي". ولكنها تبكي، وبغزارة. تتحطم رباطة جأشها كآنية زجاجية تتكسّر.

يبدو ذلك تمهيداً مألوفاً لمن يتابع عمل الأخوين جان بير ولوك داردان Jean-Pierre & Luc Dardenne، صاحبي "الوعد La Promesse" (1996) حيث واقع المهاجرين البائس في بلجيكا الجميلة،  "روزيتا Rosetta " (1999) وسعفة كان الأولى عن حكاية تلك الفتاة التي تسعى للحصول على عمل وحياة طبيعية بعيداً عن الفقر. في 2002 ينجزان "الإبن The Son" حيث يقابل الأب قاتل ابنه في ورشة للنجارة، وفي 2005 مع "الطفل L'enfant " الذي يبيعه أبوه. إلى المهاجرين مرة أخرى وحلم الحياة الأوربية في "صمت لورنا The Silence of Lorna " (2008) وصولاً إلى الابن الذي تخلى عنه أبوه في "صبي الدراجة The Kid with a Bike " (2011). أجواء يحيطها الفقر والعوز والتفكك الأسري وحلم الوصول، هي ما يعمل الأخوان في إطاره طيلة مسيرتهم السينمائية التي تابعت، وبشكل استثنائي، حكايات فقراء أوروبا. "يومان وليلة" يتابع تلك المسيرة الشهمة لاثنين من طليعة السينمائيين المخلصين للسينما الواقعية والاجتماعية. هما المثال الحديث الذي كان يمكن أن يكونه المخرج الكبير كين لوتش Ken Loach لو استمرّ في العمل مع سيناريوهات جيدة وأبدى إهتماماً أكبر بالشخصيات النسائية في أعماله. الجديد في هذا الفيلم هو تخلي "الداردانز" عن بعض من أسلوبهم الخشن لصالح آخر أوضح وأكثر أناقة في السرد والجمالية والأداء ولا سيما مع وجود ماريون كوتيار. التصوير بالكاميرا المحمولة كالمعتاد، وبأسلوب مينمالي حدّ التقشف. يستمدّ سحره من الضوء الطبيعي والتكوين المتقن. وكالمعتاد في وفائهما للصوت الموضوعي للفيلم، يكتفي شريط الصوت بالجوّ العام من دون موسيقى مؤلّفة سوى التي تأتي من داخل المشاهد. كوتيار، إلى حد كبير، الممثلة الأكثر نجومية التي تعمل تحت إدارتهما. كانت مهمتهما كما أشارا "أن يوصلاها إلى مستوى معين تصبح فيه إمراة عادية"، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، رغم أن "العادية" ليست الكلمة المناسبة حين يتعلق الأمر بماريون كوتيار، التي من جانبها فعلت أقل القليل كي تبدو تلك المرأة التي قد لا تعيرها اهتماماً اذا قابلتها في الشارع.

كعادتهم في كل أفلامهم، صوّر الداردينز الفيلم في لييج Liège، الاقليم البلجيكي الناطق بالفرنسية، حيث كانت نشأتهما. في تلك المحيطات الإجتماعية الصغيرة والمغلقة على نفسها، تتابع الكاميرا ساندرا في سباقها –في الويك إند- لاقناع زملائها بالتصويت لصالحها وابقاءها في وظيفتها. التصويت الجديد سيتم في أول يوم عمل من الأسبوع الجديد: يوم الإثنين. هذه المرة بدون تهديدات رئيس العمال (يقوم بدوره أحد أضلاع الثلاثي التمثيلي المعتاد مع الأخوين، أوليفيه جورميه Olivier Gourmet). أغلبية العاملين يجب أن يصوّتوا لصالح ساندرا بدلاً من حصولهم على الألف يورو. الحوار يتكرر، من بيت إلى بيت تذهب ساندرا وهي تحارب كل نية لجسدها في أن يبدو متسولاً، رغم أنه -وللسخرية المريرة- هو ما يجب عليها فعله لاستجداء التعاطف من زملائها كل بدوره. السيناريو لا يترك فرصة للملل فهناك مستقبل على المحك. كل محادثة تكون مختصرة، مسرحية من فصل واحد، القليل مما يقال ولكن هناك الكثير للتفكير فيه. مثلما استيقظ جريجوري سامسا ذات صباح في رواية فرانز كافكا ليجد نفسه قد تحوّل إلى صرصار، يرمي الأخوان شخصياتهم في وجوهنا دون تمهيد. بشر من لحم ودم، باطلالات دالة على عوالمهم نتعرّف عليهم ونتوّرط في مأزقهم الحياتي. نرى أطفال حديثي الولادة، زيجات فاشلة وعلاقات مضطربة، مياومين في وظيفة ثانية لتحسين الدخل. نرى أمل وخوف، وقاحة وشهامة، اندفاع ودفاع. إذلال ساندرا وعدم راحة زملائها حاضرين دائماً في ذهن المتفرج.

"يومان وليلة" فيلم عن الواقع الذي نحياه يومياً والعالم الذي نعيش فيه، وكيف جعل كل واحد منا وحيداً، خاصة في العمل. والذي، على نحو متزايد، يتم اعتباره أو يُطلَب منا إعتباره كغرض الحياة الوحيد. تقول ساندرا أنها تريد العمل وليس "وحيدة تعيش على الاعانة" (Alone on the dole). ولكن احتمالية عودتها للعمل لا تطاق بالنسبة لها أيضاً. فكيف ستواجه –يومياً- كل هؤلاء الذين ضيّعت عليهم المكافأة المالية. مصحوبة بزجاجة مياة معدنية وحبوب الزانكس Xanax لتمرير كل الساعات الثقيلة القادمة، ولحظات اللقاءات المضطربة بزملائها. ليس لديها إتحاد نقابي للدفاع عن حقوقها. إذا كان يبدو لك كل ذلك وكأنه تمرين على البؤس لا هوادة فيه، فهو ليس كذلك. ما ينقله لنا الفيلم وشخصياته، بشكل تراكمي، هو نضال نحو الكرامة ومن أجلها.




ساندرا ساندرا

في نواح كثيرة، يمكن اعتبار ساندرا هي تلك الفتاة الصغيرة،روزيتا، وقد كبرت بعد خمسة عشر عاماً من الفيلم الذي حمل إسمها (في ذلك الفيلم لعب فابريزيو رونجيوني Fabrizio Rongione دور صديق روزيتا). ساندرا في المحطة الأخيرة من كفاحها ضد اكتئابها، تصطدم بخبر صاعق عن فقدانها لوظيفتها. "لا أستطيع التوقف عن البكاء" ساندرا تقول لنفسها أثناء سيرها في منزلها. هاتفها يرن وهي تحتاج حبوبها المهدئة. ساندرا ليست ضعيفة ولكنها خائفة من ضعفها. رغم قلة الحيلة والعجز عن الفعل، يقنعها زوجها وزميلتها جولييت، بمحاولة أخيرة لانقاذ عملها. عندما تلتقي رئيسها للمرة الأولى تبدو كما لو كانت تنكمش خوفاً من الكاميرا، تحاول الاختباء في حضورها. ما يبعد "يومان وليلة" عن كونه مجرد فيلم آخر عن امرأة مأزومة اقتصاديا واجتماعياً هو أن الداردانز أيضاً، وبمهارة، يقدمان بورتريهاً لزواج على حافة الهاوية. بعد رحلة متعبة، نفسياً وبدنياً، في اللفّ على بيوت زملائها، تصل ساندرا إلى لحظة تسرّ فيها إلى زوجها أن يتركها لحالها، تظهر حالتها البدنية السيئة في لقطة ثابتة في السيارة حيث نلاحظ معاناة ساندرا في أخذ نَفَسها لتبعد رأسها عن الكاميرا وتخرجها من نافذة السيارة إلى الهواء والضوء. مثل تلك الوقائع الفيزيقية (المشي، النبضات، الدفعات، الأجساد النابضة بالحياة) يجعل متابعة الحدث مثيراً ويؤشر إلى صياغة ميلودرامية محسوبة بدقة. وبينما نلاحظ الحركات المشتتة لإيميلي دكوان Émilie Dequenne في دور روزيتا، نجد تكثيفاً معاكساً في أداء كوتيار لشخصية ساندرا: مؤطرة في ذاتها ومتقلصة لداخل صدفتها الذاتية، صوتها يظهر بالكاد، كأنها تتكلّم همساً. ساندرا تعتقد بأنها لا شيء "I'm nothing. nothing at all" وإذا وضعنا زوجها المحب جانباً، فهناك القليل جداً في العالم يمكن أن يغير اعتقادها عن نفسها. يعادلها في الأداء رونجيوني: في مساحة تمثيلية أقل ولكن بمعالجة بارعة، يتجسدّ أمامنا ذلك الحب الكبير الذي يكنّه لزوجته التي يدفعها للخروج للعالم. استخدام تلك الاشارات الفيزيائية لتحديد العلاقة بين الزوجين (رغم عدم ممارسة الجنس) هو حيلة ذكية جداً لم أختبرها في أي من الأفلام التي قاربت مؤسسة الزواج. حين تصل ساندرا ليد مانو أثناء قيادته للسيارة فهي تقدم بذلك الفعل البسيط تكثيفاً لشعور الحب الذي ترفض ممارسته منذ شهور. هذا بعد لقطة أمامية نادرة للإثنين معاً على مقعد عمومي في إحدى الحدائق، يتشاركان الآيس كريم في ضوء الشمس، ثمة طائر ياتي صوت تغريده من خارج الكادر.
 ساندرا: أتمنى لو كنت مكانه
مانو: من؟
ساندرا: ذلك الطائر الذي يغنّي





الفيلم: Deux jours, une nuit
تأليف وإخراج: Jean-Pierre & Luc Dardenne  
إنتاج: 2014


17‏/1‏/2015

Adieu au langage (2014, Jean-Luc Godard )



بعد إعلان فيرنر هيرزوج وفيم فيندرز لدخولهم مجال الثري دي في أفلامهم القادمة؛ ظهر في مايو 2012 خبر عن نية المُعلَم الكبير جان لوك جودار إنجاز فيلمه القادم بالتقنية الجديدة وتبع ذلك إشارة من جودار عن إهتمامه بالتقنيات الجديدة التي تدخل في صناعة السينما لأنها "لا تملك أي قواعد وبالتالي يمكن للمرء أن يفعل بها أي شيء". قبل ذلك في 2010 تحدث جودار عن مشروع الفيلم "إنه عن زوجين لم يعودا يتحدثا نفس اللغة، وكلبهما الذي يأخذانه للتريّض يصبح متكلّماً. كيف سأصنع ذلك؟ لم أعرف بعد. الباقي سهل وبسيط". البعض حاول استباق الحدث وتندّروا على المخرج الكبير الذي نضبت أفكاره فصار يبحث عنها في تقنية جديدة رائجة سوف يُهدر فيها الكثير من المال وهو المخرج المعروف بأعماله التي تتناول تأثيرات الميديا (أفلام جودار في الثمانينات)، والبعض الآخر تكهّن بتحدّث الكلب بصوت مسموع غافلين عن تجربة جودار السابقة في "فيلم إشتراكية" وترجمته المكسّرة عمداً لحوار الفيلم المتطرّف في تجريبيته. تلك الاشارات المحيطة بالفيلم أوحت بتجريب أكبر قادم في الطريق وربما احداث ثورة للوسيط أكثر منه تقديم "فيلم فنّي" يحاكي أفلام القطط والكلاب المتكلمة والتجارب الهوليودية لاستغلال التقنية في أفلام ترفيهية. فما الذي فعله جودار؟

زورق يبحر في مرفأه. ماري شيلي، مؤلفة فرانكشتاين، تخدش كتابها بريشة. الحركة الثانية من سيمفونية بيتهوفن السابعة تبدأ لتتوقف فجأة، ثم تبدأ من جديد. امراة عارية تتذمر صارخة بينما عشيقها يصرخ ببذاءة لاعناً "البدين اللعين" في سلسلة أفلام "أوستن باور". كلب يجري للغابة، ثم يعود. الزورق يترك المرفأ. الشاشة تنبض فجأة بحياة ألوان الخريف الحمراء والصفراء. لقطة مقرّبة للكلب وهو ينظر مباشرة إلينا. هذه بعض الأصوات والصور التي ستختبرها في فيلم يلعب فيه جودار بالوسيط السينمائي ويتحاشى السرد المبسّط والمستقيم للفيلم مضمناً اياه موجة من الاشارات والتلميحات البصرية واللفظية كذلك؛ كاشفاً عن مستويات متعددة من الأحداث يستحيل الاحاطة بها كلها دون النظر في جميع الاتجاهات في وقت واحد. كولاج من اللحظات الكاشفة المنثورة بطول فيلم لا يخبرنا قصة بعينها بل يجمع الكثير من القصص في لعبة دائرية تؤكد وفاء جودار الدائم للتجريب وتحيلنا إلى وعده وأمله السابق في أن يفعل بالتقنية الجديدة كل شيء بدون قواعد.

يبدو الكلب في تنقله الحر والهائم أكثر حرية من الزوجين اللذين يشاهد ذبول حياتهما الحسّية وحيويتها تحت وطأة التزام الألفة بين شخصين "إننا نتحدث عن لا شئ. نحن لم نعد نحب بعضنا البعض"، وادراكهما لهشاشة فكرة المساواة بين الجنسين أو بين شخصين. "لا يكون المرء حراً حين ينظر لعين الآخر". ولكن كيف يمكن أن تكون حراً بدون أن تكون وحيداً ككلب هائم بين البرية والمدينة، بين الغابات والبحار. حتى ذلك لا يبدو كافياً لتحقيق السعادة والرضا فالكلب يبدو احياناً حزيناً وربما يبحث هو الآخر عن واقع جديد. "عندما يفشل الخيال، على المرء أن يجد العزاء في الواقع" يخبرنا النص على الشاشة في مفتتح الفيلم. ولكن ما الذي يأتينا به الواقع الضائع(؟). شلالات لحظية من الصور في أكبر مذبحة للافكار في التاريخ. صور في كل مكان وفي أي وقت. على انستجرام وفيس بوك، على شاشات التليفزيون والسينما، على الهواتف الذكية واللابتوبس، على الطرق والكباري. إذن فالعودة إلى استصلاح الواقع الذي تم تبويره هي عودة للحرية، ووداعاً لتلك اللغة السينمائية القديمة التي تعمل كمترجم أو وسيط تواصل. اللغة التي يعجز الرجل والمراة عن التواصل بها فيما بينهم. الصور تُحذَف من لغتها لتحصّلها على شرط التحقق في واقع ثلاثي الأبعاد: الكتاب، الزهرة، الطاولة، الهاتف جميعها يشعّ بألوانه المشبعة على الشاشة. الصورة ثلاثية الأبعاد لا تعترف بالحدود، مفتوحة على المجاز: كيف ترى صورة وهي أصلاً منقسمة إلى صورتين؟ تنظر لليمين. لليسار. تغلق عين وتفتح الاخرى. تحدّق تجاه مركز الصورة إلى أن تتعب. ثم أخيراً تصبح الصورة "واحدة". الكلب في تجواله، في تردده بين الذهاب والعودة، الاستمرار والتوقف، إنه لا يؤدي دوراً بل يصنع "واقعاً". الصور التي نراها بعين الكلب، وصور الكلب التي نراها، تبدو لعبة تبادل أدوار بين رجل وكلب في كيان واحد. سينما. واقع. واقع مقابل واقع وبينهما جسر جديد يجب عبوره. تلك سينما جديدة تماماً يخترعها جودار الذي لا يكفّ عن الابتكار حتى وهو في الثالثة والثمانين من عمره في عزلته الاختيارية في جبال الألب السويسرية.

عندما يخبرنا جودار عن "بساطة" فيلمه الذي يحكي عن" امرأة متزوجة ورجل وحيد يلتقيان ويقعان في الحب. يتشاجران. كلب شارد بين الريف والمدينة. تتعاقب الفصول، يلتقي الرجل والمرأة من جديد ويجد الكلب نفسه بينهما، واحدهما في الآخر. يصبحان ثلاثة. الزوج السابق يحطم كل شيء. الوضع كما كان في البداية. لكنه ليس كذلك. من الجنس البشري نمضي إلى المجاز. وينتهي هذا بالنباح، وصرخة طفل" فلا يعني ذلك بالضرورة أنهم نفس الشخصيات أو وجودهم في نفس الفترة الزمنية. فقط ذلك الكلب الذي يسرق الكادر (لعب الدور كلب جودار الأليف: روكسي) يبدو متحصلاً على كينونته الفريدة، شاهد صامت على على العلاقة الصاخبة بين الرجل والمرأة. في لقطة لكلبنا هذا وهو نائم على أريكة يأتي من خارج الكادر صوت جدال محتدم فتبرق في الذهن ملاحظة عباس كياروستامي (من مخرجي جودار المفضلين): "أحب تلك النوعية من الأفلام التي تسمح لك بقيلولة لطيفة". ذلك لا يعني أن هناك فرصة للنعاس في تلك السبعين دقيقة المضطربة (مدة عرض الفيلم) التي تستدعي أيضاً: حلّ هتلر الأخير، اقتباسات من ألكسندر سولجنستين، صامويل بيكيت، جاك إيلوي، داروين، أفلام فيلم هوليودية قديمة تعرض على تليفزيون الشاليه حديث التجهيز بينما الرجل والمرأة يحاضر كل منهما الآخر. عند نقطة معينة تلاحظ احدى شخصيات الفيلم مدى كراهيتها لـ "الشخصيات" (مع الوضع في الاعتبار تحرّر الفيلم الكامل من مهمة نشر رسالة ما). يتسائل جودار في ظهور نادر على شريط الصوت مقتبساً من رواية فرانكشتاين حيث يتسائل الدكتور إذا ما كان السماح للحيوانات البرية بمرافقة الإنسان خطيئة؟ خطيئة تجعل الانسان وحيداً. ثم هناك ذلك البعد الثالث المضاف الذي يستخدمه جودار الصانع الماهر بطريقة مذهلة تصل ذروتها في منتصف الفيلم تقريباً حين يأتي ذلك المشهد الذي يباعد بين منظورين للصورة ثلاثية الأبعاد ثم يدمجهما معاً في أورجازم بصري يجعل المشاهد نفسه منتشياً ومضطراً للوقوف لتحية ذلك المغامر العظيم.
بالمناسبة: كان "وداعاً للغة" هو الفيلم الوحيد الذي نال تصفيقاً من جمهوره أثناء عرضه في مهرجان كان الماضي 

مع تلك النشوة تأتي عقبة واحدة: هذا الابداع الكبير الذي يثير الأرواح يسبب صداعاً نصفياً -وليس في الأمر مبالغة أدبية- وتلك هي طبيعة الحال مع جودار الذي يتمرّد في أحلامه مرتاداً الطريق الصعب لسينما جديدة، متعمداً احداث النتائج الغامضة والمحبطة للتصوّرات المسبقة في فيلم يزعزع أرض اليقين من تحت أقدامنا ويضعنا وجهاً لوجه مع يأسنا واحباطنا وتشوّشنا الوجودي اليومي. عبثاً أن أحاول اخبارك عزيزي القاريء ما تعنيه دراسته الباذخة بصرياً والمتأملة بحكمة من جاوز الثمانين للتاريخ والخلود، الوجود والعدم، الرغبة والموت. ولايمكنني تحديد موضع "وداعاً للغة" في مجمل أعماله، أو كيف سيكون شعوري تجاهه بعد أيام أو سنين من الآن. ولكنني أستطيع نسج فيلمي الخاص من المشاهدة (مشاهدة واحدة لا تكفي أبداً تلك التحفة السينمائية)، ولذلك أنا ممتن للتجربة التي ليست بالضرورة صالحة للجميع.





المُعلِّم يلجأ للمجاز
في لحظة ما أثناء مشاهدة الفيلم سيطرت عليّ فكرة مزدوجة: فمن ناحية تبدو تلك القصيدة البصرية المستقبلية التي أشاهدها وكأنها بداية جديدة لطريق سيمشيه جودار وينجز فيه أفلاماً قادمة، ومن ناحية أخرى يمكن رؤية الفيلم  كفصل أخير في سِفر ذلك الفيلسوف العظيم.
 صوّر جودار الفيلم بخمس كاميرات بينها كاميرا هاتف محمول، كما استخدم تقنيتي العرض الثنائي والثلاثي الأبعاد بشكل متواز أحيانا ليخلق تجربة سردية غير مريحة بصريا ولكنها تمنحنا تلك الحالة البصرية والنفسية التي يسعى لتوصيلها إليها (هل جودار مهتم أصلا بنا كمشاهدين بعد كل هذه السنين؟). قارب جودار في أعماله التي تزيد على مائة عمل فني (ما بين أفلام سينمائية وتليفزيونية، روائية ووثائقية، طويلة وقصيرة، بمفرده أو بالاشتراك مع آخرين) الحروب العالمية وذلك الجنون الذي يحكم العالم، ودرس كثيراً الجسد البشري وتمثلاته، ووسائل الاتصال والاعلام وتأثيراتها. كل أعماله تتناوبها تيمتين أساسيتين: الإنسان والتاريخ. يبدو مرتاحاً في لعبته المستمرة بتقليب وجهي عملته ولا أعتقد أن "وداعاً للغة" -على تجريبيته الشديدة- أفلت من موضوعيه الأثيرين، فجودار يبدو مهتماً بالانسان في زمنه وثقل وجوده وعجزه عن التواصل (في نبرة رثائية تقول المرأة لشريكها الجالس على قاعدة التواليت: أنا أتحدث بالمساواة وأنت تتكلم بالخراء)، بالتساؤل عن ضرورة اللغة وورطتها (كيف أن اللغة تصبح ضدّاً للوجود الإنساني)، يتسائل عن الكيفية التي تجعله يصنع تلك الوحوش البشرية التي يمجدها باسم الحرب والانتصارات الوهمية ويصير وحشاً هو الآخر (هتلر حاضر على الدوام)، ومهتماً كذلك بالتعريفات المراوغة لـ "التقدم" و"التطور" التي تسيطر جدالاتها على أوربا اليوم (يعود إلى ألمانيا كعادته لوضع حفنة من الأفكار الشائكة على مائدة أوروبا). يستخدم أصوات شخصياته للتعبير عن تلك الأفكار وغيرها مضيفاً تعليقا صوتيا هو المعادل لصوته كفنان حاول طيلة حياته السينمائية التي امتدت لأكثر من خمسين عاماً استغلال الصورة لتقديم رؤيته للحياة؛ تلك الرؤية التي تبدو تشاؤمية وأقرب لرثاء للذات وللفن الذي لم يعد يقدّره أحد. وهنا لا يمكن إغفال ظلال علاقة جودار برفيقته آن ماري ميفيل على الفيلم.

 ربما ذلك "النَفَس الذاتي" هو ما جعلني أحب فيلمي جودار الأخيرين؛ فهما عملين يمكن مقاربتهما للـ"السينما الشخصية" لجوناس ميكاس وكريس ماركر أكثر مما يمكن الحاقهما بأفلام جودار" الملتزمة بالكفاح الثوري" في الماضي التي تبدو وكأنها بيانات حزبية متطرفة.نعم، ماركس وماو وتروتسكي لا زالوا حاضرين كمرجعيات في بال جودار ولكن كجزء من ادراك أكثر حكمة، يلمّح ولا يصرّح، يلجأ للمجاز لعرض ما يريده. تلك الشاعرية بالغة الدلالة في التركيز على ديمومة الحيوان والطبيعة في مقابل هشاشة وجود الإنسان جعلت الكلب بطلاً للفيلم؛ تتابعه كاميرا جودار وهو يلعب في جدول مائي كما لو أن حركاته أحداثاً هامة في التاريخ. هل يريد جودار أن ينبهنا إلى فكرة الفيلم الرئيسية؟ هل هذا فيلم عن المساواة؟.
 "بعد أن ثارت النساء للمطالبة بمساواتهن مع الرجال، تبعهم الأطفال وقامور بثورتهم الخاصة لمساواتهم مع البالغين، ثم جاء الدور على الحيوانات فأعلنوا حقهم في المساواة مع البشر" هذا ما تكلّم به جودار منذ عدة سنوات في حديث صحفي، وأورده هنا للتأكيد على راديكالية جودار في طرحه لفكرة المساواة، ففي التكوين البصري لمشهد الكلب روكسي وهو يلعب في الماء لا ينبهنا فقط المخرج إلى مساواته مع الانسان في الفيلم، ولكنه أيضاً يمدّ سقف المساواة هذا على الماء الذي يتشاراكانه. كل شيء/شخص له نفس الحق في الحضور أمام الكاميرا وكأن جودار يتمثل مقولة روزا لوكسمبرج (الفيلسوفة الماركسية والنسوية) عن مصير تلك الحشرة المؤثر بنفس قدر تأثير الثورة الشاملة.

 في البدء تعلّم قابيل كيف يدفن أخيه حين رأي غراباً يحفر في الأرض قبراً لصديقه. يحيلنا الفيلم إلى ريلكة "إن ما هو باطني لا يحسّه سوى الحيوان.". يقدم جودار الاجساد البشرية العارية دون حرارة، يعبرها سريعا، بينما يتابع الكلب باهتمام وحنو بالغين. بمثل هذا التفاني ينبهنا جودار إلى حاجتنا للحيوان كي نتعرف على ذواتنا من خلاله. أن نتبع أصغر الأشياء التي قد تساعدنا في تحقيق الرضا والانسجام.



نشر في موقع التقرير  بتنسيق مخالف، وظهرت  نسخة مختصرة  من المقال على شباب السفير


9‏/10‏/2014

Our Sunhi (2013, Hong Sang-soo)

            



Mumblecore

لا أحد يفعل ذلك أفضل من هونج سانج سو: خذ فضاء محدداً ومملاً: مصيف، ساحة جامعية، حي في مدينة كبيرة. انثر بعض الأماكن التي تحتوي على سرير (فندق، نزل طلبة) وعدداً من المطاعم والمشارب التي تقدم دجاجا مقرمشا، كابتشينو، بيرة، سوجو. شوارع ضيقة للتمشية حيث يستطيع المترجلون الوحيدون سماع صوت خطواتهم في مصاحبة توتر قلوبهم. حديقة عامة هنا، شاطيء هناك. اطلق حفنة صغيرة من الشخصيات، رجل وامرأة، واتركهما يتفاعلان من خلال سلسلة أحداث مكررة، توليفات شبه موسيقية لانجذاب جنسي خجول في التعبير عن نفسه، رفض أُسيء تعريفه، حالة عدم ثقة وأمان، غيرة مستترة. مشاهد طويلة تجعل سؤال التمثيل غائباً. يقلّب جيدا ويقدم باردا

 لن تفكر أبدا أن ذلك يمكن أن يكون مضحكا ولا يزال أيضا محزنا. بروعته وتأنقه واقتصاده وصرامته الهازلة يصبح الفيلم على قمة  الجينير "الأخرق" الذي ابتدعه هونج في سينماه في السنوات الاخيرة ولا مجال هنا للمحاولات المبائسة لمقارنة هونج بوودي آلن او إلباسه عباءة الرجل العجوز الذي أصبح يصنع أفلاما ثرثارة وفارغة من المتعة والفلسفة التي يحاول معجبوه الحاقها بها


فيلمنا يتابع المسارالرائق الذي اتخذه هونج لعمله السينمائي مؤخراً. يحكي من منظور بطلته (التي أعطت الفيلم عنوانه) مراوحتها الاختيار بين ثلاثة من محبيها الممكنين وكما في كل أفلام هونج تقريباً حيث واحد على الأقل من شخصيات الفيلم الرئيسية له علاقة بالسينما، نجد في فيلمنا هذا أن الشخصيات الاربع الرئيسية كلّها على علاقة بالسينما بشكل ما. يبني هونج فيلمه حول ثنائيات مختلفة وجلسات شرب كل منها وبطريقته الخاصة يبيّن تذبذب الدوافع والرغبات في العلاقات البشرية. الاكثر من ذلك أن ما يُقال ليس ما يُشعر به في أغلب الأحيان وهذا ما يجعل الشخصيات في  حيرة ملائمة تماماً لأجواء هونج التي عوّدنا عليها. مستحضراً روح جاك تاتي وإريك روميه؛ بمعالجة ثرثارة  لكيف تتعامل طالبة السينما حديثة التخرج مع التصوّرات الرومانسية لثلاثة رجال (تعساء بشكل أو بآخر) تجاهها، وتمازجات معقدة بشكل خادع ومرح غير متوقع يتراكم في حكاية ملونة ومسلية عن الحب والسينما حيث عالم الانسان ينشط بأشياء الرغبة الغامضة


يأتي الفيلم مضحكاً وساحراً نتيجة لكوميديا الأساليب تلك: طالبة السينما "سوني" (تقوم بدورها يونج يومي في مشاركتها السادسة مع المخرج) تطلب من استاذها الجامعي السابق (شوي) خطاب ترشيح لدراسة السينما في أمريكا. يفعل الرجل ولكنها لا ترضي عما كتبه فتطلب منه إعادة كتابته لتأتي الفرصة للبروفيسور للافصاح عن نواياه تجاه سوني في خطاب فيّاض زوّد الفيلم باحدى اجمل لحظاته الكوميدية، في الوقت الذي تقابل  فيه صديقها السابق "مانسو" الذي يلمّح لاستعادة ما كان بينهما، وزميل دراسة أكبر منها "يايهيك" سيبدأ في الوقوع في حبّها هو الآخر. النصيحة مشتركة ومتشابهة؛ في لقطات طويلة نرى طالبي وصل سوني يتعثرون في مواقف محرجة بفعل الشرب. تلميحات رومانسية مشوّشة وذهابات وايابات هزلية تلخّص لعبة البينج بونج التي يراوح الفيلم بين جانبيها بحسّ خفيف في المسافة   بين "كيف نرى أنفسنا؟" و"كيف يرانا الآخرون؟". وبخلق هونج لذلك المثلث الذكوري الراغب في سوني لديه الكثير من اللعب لكسر قداسته واعادة تشكيله. اللعب موجود بداية من التيترات باللون الأخضر على خلفية صفراء كشمس يوم متوهج واللفتة التهكمية التي تمنحها الممثلة المألوفة لهونج (يونج يونجين) في دور أشبه بمُرقِّمة لأحداث الفيلم، وهناك تلك الاغنية السنتمنتالية التي تعيد التأكيد بأداء ميلانكولي على براءة الحب في مدينة ما لم تعد موجودة. نسمع الاغنية ثلاث مرات: مرة في مطعم الدجاج، ومرتين في مقهى أريرانج حيث يتقابل مانسو (صديق سوني السابق) ويايهيك (الصديق المشترك)، ولاحقا تشرب سوني مع يايهيك ، وحيث تلك المضيفة الشابة التي تبدو على معرفة جيدة بهم مقدمة لهم الدجاج المقلي كمَزّة لتخفيف حدة الكحول. مرتين يُنادي على يايهيك من نافذة شقته في الدور الثاني: أولاً مانسو وتالياً شوي. مرتين بعد شرب الكثير من الكحول مع رجلين (شوي ثم بعد ذلك يايهيك) ترمي سوني (السكرانة) بنفسها على يايهيك ولكنه -شاعرا بعدم الراحة لحالتها- يعتذر عن مجاراتها في ما تريده. وهنا يجب التذكير باستثنائية الفيلم ضمن أعمال هونج  حيث لم يذهب فيه أي أحد مع أي أحد إلى السرير


********

الاحساس بالمكان من خلال إضاءة دقيقة ليس مشكلة كبيرة للمخرج الكوري غزير الانتاج ولا مدير تصويره بارك هونج يول. في احد المشاهد الاولى نرى سوني جالسة في مطعم فراخ وتشرب بيرة مع صديق مقرب: الإضاءة رائعة، مؤطرة في بروفيل أقرب لصورة ظلّية (سيلويت) مقابل للنافذة الكبيرة المطلة على الشارع والذي يبدو للمرة الأولى مضاء بشكل غريب وممتع. عزلة سوني في ذلك المطعم الذي دخلته لتشرب البيرة فتفاجأت بضرورة طلب الفراخ المقرمشة كي تُقدَّم البيرة معها، عزلتها في ذلك المكان المظلم زادت بشكل ما من احساسي كما لو أن شمساً خريفية ستخرج من الشاشة وتشرق على غرفتي


  في مشهد ذكي وماكر في منتصف الفيلم تقريبا حين يتقابل شوي ويايهيك في شقة الأخير ويدردشان حول اهتمام شوي بسوني (الغير معلوم ليايهيك) ثمة نافذة خلفهم يمكن من خلالها متابعة امرأتين مختلفتين عنهم ومن خلال حاجز يقسّم النافذة بين الصديقين؛ كل من المرأتين تتصرّف تماما كالشريكة المثالية المتخيلة  للرجلين: يايهيك يري امرأة نشيطة تعدّ الغداء لرجل (ربما زوجها)، بينما يرى شوي امراة هادئة  وقارئة منطوية على نفسها. سينما هونج عادة تعمل في فضاء سطحي بدون تأويلات أو إحالات فلسفية، لذا رؤية هذا النوع من اللايرينج يمنح المشاهد المخلص لعمل هونج نشوة مفاجئة ونادرة
                   
  *******

يرتّب هونج الأمور حتى نصل إلى سوني وعشاقها الثلاثة التعساء (دون أن يلتقي جميعهم) يعبرون الطرقات الوادعة في حديقة مزيّنة بخضرة خريفية في خاتمة تصلح لفيلم ثلاثيني من إخراج لوبيتش






27‏/9‏/2014

تاني تاني تاني

أربع سنين مرّت على فورة الحماس الاولى التي شهدت ميلاد فكرة تلك المساحة المكرسة لانطباعات شخصية عن الصورة في تجلياتها المختلفة وبالتحديد الصورة السينمائية. جرت مياة كثيرة تحت الجسر منذ تلك اللحظة التي أراها الآن باهتة وأبعد من استدعاء سياقها. تغيّرت النفوس والأذواق ولكن ظلّ ذلك الكسل العظيم ملازماً لي، حائلاً بيني وبين البدء في الكتابة والذهاب بعيداً في مشروع .أشبه بتوثيق مشاهدات لا تهم في الأساس سوى صاحبها


مرة أخرى أحاول مراودة نفسي واقناعها بالكتابة لدرء الضجر ومحاولة البحث عن مدار جديد يحمل بعض الهواء المنعش



                      Un amour de jeunesse (2011)