‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما عربية. إظهار كافة الرسائل

15‏/11‏/2016

"أنا مع العروسة": مهاجرون ومخرجون بالصدفة


عرض مؤخرا بالعاصمة المصرية القاهرة الفيلم الوثائقي "أنا مع العروسة" (On The Bride’s Side) ضمن عروض بانوراما السينما الأوروبية. العمل الذي اشترك في كتابته واخراجه الإيطاليين غابريلي دل غراندي وأنطونيو أوغوليارو والفلسطيني خالد سليمان الناصري، يكشف جانبا من مأساة المهاجرين في القرن الجديد ويقدّمهم كرحّالة مغامرين مثاليين لهذا الزمن.
بطرق متنوعة يشكّل مفهوم التنقّل الأساس  لفيلم "أنا مع العروسة" حيث يشرع صانعوه والمشاركون به في رحلة غير قانونية عبر أوروبا بينما شبح حياة أفضل يستثمر الأمل في الفيلم الوثائقي الذي يتوجه تركيزه إلى مجموعة من النازحين الفلسطينين والسوريين في ميلانو بإيطاليا يقصدون أراضي ستوكهولم الأكثر إخضرارا حيث قوانين الهجرة السويدية أقل صرامة كما يشاع. ما من خط قطارات مباشر بين هذين البلدين والطرق السريعة مدججة بأفراد الشرطة، لذا يجتمع ثلاثة أصدقاء من ميلانو (غابريلي دل غراندي وخالد سليمان الناصري وطارق الجبر)، وجميعهم أصدقاء لهذا الشتات المصغّر، على تهريب هؤلاء المهاجرين الخمسة إلى السويد وتدبير حيلة لاخفاء السبب الحقيقي لتجمّعهم. هذه الحيلة الجريئة والمغامرة ستكون على الصورة التالية: ستتم الرحلة على أنها زفّة عرس تجول أوروبا ليتجنبا بذلك إثارة الشبهات. 1هذه الحالية والحيلة الغريبة والجذابة ستغري بمزيد من الجرأة ليتمدّد حفل الزفاف ويصل إلى قافلة من المهاجرين في رحلة تمتد حوالي الثلاثة آلاف كيلومتر ضمن قارة أوروبا خلال أربعة أيام خلال الفترة ما بين 14 و18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013.

هذه فكرة تعنى مخاطرة عالية وإحتمال التعرّض للسجن (تصل عقوبة مثل هذا الجرم إلى السجن 15 عاما كما يقول المخرجون) ولكن الوثائقي أكثر اهتماما برصد الشكوي من ظلم العالم وفي سبيل ذلك الاختيار يتكبّد السرد الشخصي الضريبة. يتحدث المهاجرون، المتانّقون بربطات عنق، عن موضوعات نبيلة في لقطات مقرّبة، مثل حلمهم الأوروبي، تغشاها نوافذ السيارات المضببة والأكواد البريدية في الخلفية. العروس، تسنيم، تقدّم احتجاجا باكيا ضد عالم منقسم رغم الشمس الواحدة التي تشرق عليه، وخطيبها المتنكّر، عبد الله، يكتب رثاء لمئات الرفاق الذين لقوا حتفهم في البحر بعد غرق قاربهم قرب جزيرة لامبيدوزا. منار، مغني راب سوري في الثانية عشرة من العمر، يضيف إلى الرحلة شيء من الخفة والحماس المراهق طارحا سؤالا معلّقا يعلو الاتجاه الاحتفالي للفيلم ويقدّم دليلا اضافيا على إنهيار الحدود الوطنية والتغيّر الذي تحدثه الحرب على فكرة الانتماء.
يتناول الفيلم بجدية مسألة وثيقة الصلة يمكن تلخيصها بأن الشخص الذام يشعر بأنه إنسان غير أخلاقي. وعلى أية حال، فهذا فيلم مثقل برثاءه وعاطفته وشروط وجوده الصعبة. تمتليء مقابلات أوغوليارو بنداءات غالبا ما تجرّد الشخصية التي تقوم بها وتلك النداءات نادرا ما تتوافق مع متغيّرات الرحلة وتبدأ التراجيدية المفرطة في التراجع إلى الخلفية. في أحد المشاهد، يقول أحد المهاجرين: "أريد أن أنام" وتتباطأ الكاميرا كما لو كان كلام الرجل قويا لشقّ الأرض التي يقف عليها. في مشهد آخر، تتلاعب الكاميرا حرفيا في محاولات لرسم الصورة الكاملة التي لا تأتى أبدا. تلك الهفوات يمكن فهمها إذا عرفنا أن التحضير للفيلم لم يستغرق سوى أسبوعين فقط تم خلالهما كتابة السيناريو وتقسيم المهمات والأدوار وخريطة الرحلة. بالإضافة إلى أنه يمثّل التجربة السينمائية الأولى لكل من الصحافي غابريلي دل غراندي والشاعر خالد سليمان الناصري، وأنطونيو أوغوليارو هو الوحيد من مخرجيه الثلاثة الذي له علاقة سابقة مع السينما من خلال عدة أفلام قصيرة.

المحطة الأصعب من الرحلة تتمثل في بدايتها: جبل صغير وشديد الانحدار يظهر كطريق مسدود أمام أفراد حفل الزفاف بزيهم الكلاسيكي ومسيرة مشي مُجهِدة من إيطاليا إلى فرنسا. إنها لحظة فاصلة في الفيلم يتحوّل فيها المُهمّ إلى ما هو خارج الشاشة وقت تعطيل الكاميرات. الشعور بالأسى والأسف جزء لا يتجزأ من الحيلة الأسلوبية للفيلم وهو ما يدفع بعض المشاهدين إلى الاعتقاد بأن الفيلم يختلق ذلك. جزء من ذلك هو حقيقة أن اللاجئين اخترعوا أدوارا وقسّموها على أنفسهم  كوكلاء عن بشر أكثر حظا، وهؤلاء الأخيرون لا يتوجّه الفيلم إليهم بالسؤال فعليا. فنحن لا نرى سوى صورة تضامنية من الشباب الأوروبي اللذين يفتحون بيوتهم للقافلة في ألمانيا والدنمارك والسويد، مستخفين بكل القوانين المتزمتة في سبيل تحقيق غاية إنسانية، وإحتمالية مساءلة قادة القافلة بتهمة العصيان المدني تبقى غير واضحة كما هو الحال مع السؤال الغائب عن الفيلم:  لماذا سياسة الهجرة في السويد أفضل من نظيرتها في إيطاليا؟. تُدفن تلك الأسئلة عميقا وتشحب أهمية الفيلم كوثيقة درامية أو صحافية.


25‏/2‏/2016

"زنزانة"..سجن اسمه العالم العربي


في أولى أفلامه الروائية الطويلة يقدّم المخرج الإماراتي ماجد الأنصاري تجربة مختلفة تقف في جانب بعيد عن كلّ منجز السينما الخليجية، الشحيح عمومًا، والذي يتقاسم أفلامه ميلان: الأول يجنح نحو المحلية واستمداد الحكايات التراثية والثاني يضع نصب عينه السينما العالمية، والأمريكية بالتحديد، لانجاز أفلام تشابهها شكليًا من دون تقديم أي جديد في المعالجة أو الأسلوب. "زنزانة" الذي يتشارك بطولته الممثلين الفلسطينيين علي سليمان وصالح بكري مع آخرين من الإمارات والسعودية والسودان، يختار لنفسه مكانا مميزًا بين النوعين السابقين لتقديم عمل سينمائي أصيل يأخذ محاسن كل نوع ويدمجها في عملية ابداعية أقل ما يمكن وصفها به هي البراعة ليخرج كمولود جديد تمامًا على السينما الخليجية ويدشّن نفسه كفتح سينمائي كونه أول فيلم نوعي (Genre) في التاريخ القصير لهذه السينما الناشئة.
حكاية الفيلم مجرّدة من الزمان والمكان ولكنها متجذّرة في أرض عالمنا العربي منزوع الحرية. "حدث في سجن عربي" بهذه الجملة يفتتح الفيلم حكايته الديستوبية ثم تشير روزنامة إلى عام 1987 حيث نشاهد رجلين محبوسين داخل زنزانتين متجاورتين بعد مشاجرة تمت بينهما نعرف أسبابها لاحقًا يحرسهما ضابط شرطة متعاون يفرج عن أحدهما ويبقي على الآخر (طلال) لحين الاتيان بما يثبت هويّته. تبدو الأمور في طريقها للحلّ ولا ينقصها سوى انهاء اجراءات روتينية إلا أن شخصًا يظهر ليغيّر مصير طلال.
يدخل دبّان (علي سليمان) ضابط المناوبة بشيء من الاختلال البادي على محيّاه وابتسامة شريرة متكلّفة وشارب متملّق مرتديًا زوجًا من القفازات الجلدية السوداء وكأنه يبحث عن المشاكل. ويدرك طلال على الفور أن السجن ليس أكبر مشاكله عندما يجد نفسه متورطا فى مخطط مجهول لإنقاذ عائلته من رجل مضطرب عقليًا. دبّان مسلح أيضًا بخنجر وبندقية وحس فكاهة ساحر ودوافعه لاستعداء طلال وعائلته غير واضحة في أغلب فترات الفيلم. في البداية يبدو وكأنه يستمتع باللعب بحياة الناس وأرواحهم، أما قواعده بالنسبة لطلال فبسيطة وواضحة: إذا فعلت ما أطلبه وأبقيت فمك مغلقا، فلن يتأذى أحد.


 إلى جانب طاقم التمثيل العربي، قام فنانون أجانب بأدوار أخرى مثل المونتاج لشهناز ديلمي والموسيقى لتريفور جوريكيس والتصوير لكولن ليفيك، وهذا الأخير هو أفضل ما في الفيلم من الناحية التقنية. يولّف صنّاع الفيلم بذكاء عملهم، فمن خلال الكادرات الضيقة والافراط في اللقطات المقربة وزوايا التصوير المبتكرة والقطع المونتاجي اللاهث والصور المنشأة بالحاسوب (CGI)، يذهب المشاهدون في رحلة عبر الجدران وتحت الشاحنات وأحيانًا إلى الأعلى حيث السماء. كلّ هذا يجعل من الصعب النظر بعيدًا عن الشاشة، ويستثني من هذا التعميم ذلك المشهد الدموي الجروتسكي الذي يقوم فيه دبّان بذبح الضابط المسئول فى القسم ووضعه فى المرحاض والذي تباينت ردود أفعال المشاهدين تجاهه في العرض الذي حضرناه بسينما "زاوية" بوسط القاهرة.
هناك مباراة تمثيلية تجري وسط الأحداث، حيث يتألق علي سليمان في دور الرجل الشرير الكاريزماتي مع نكهة "جوكرية" تبدو جديدة على السينما العربية في تصدّيه لشخصية دبّان الغنية بتقلباتها وجنونها وفكاهتها في مقابل صالح بكري وشخصيته الهادئة المنكمشة التي لا يصل اليأس إلى وجهها. ومن المثير للاهتمام أن النص السينمائي هو اعادة صياغة لسيناريو أمريكي بالأساس من تأليف الأخوين روكوس ولاين سكاي حتى لتبدو بعض خطوط طلال الحوارية في الفيلم أفضل إذا ما قيلت بالانجليزية.
السيناريو ليس هو أفضل ما في الفيلم ولا يغوص عميقًا في الجانب السيكولوجي المعتاد في أفلام النوار (Noir)، ولكنه يتضمّن بعدًا سياسيًا مهمًا في حكاية هذا المواطن البسيط في مواجهة السلطة الغاشمة المتمثلة في ضابط الشرطة. كذلك الاصرار على تصدير حالة من الكلاستروفوبيا (رهاب الأماكن المغلقة) للمتفرّج بتصوير الفيلم كلّه داخل "لوكيشن" واحد هو السجن، يحمل تحدّيًا إبداعيًا من جانب صانعي الفيلم للتغلّب على الملل والضجر الذي قد يصيب المشاهدين، ولكنه في الوقت ذاته يدخلهم في محاكاة افتراضية لظروف القهر والاضطهاد التي يتعرّض لها المواطن العربي في سجون السلطة الحاكمة، وتجنبًا لمباشرة الطرح يقوم ذلك الاختيار بدور العامل المحفزّ لخيال المشاهدين لمشابهة ومقارنة ما يجري في السجن الافتراضي مع القصص التي يقرأ عنها يوميًا حول هذا الموضوع.
"زنزانة" فيلم رشيق وحيوي يسعى لتجاوز محلية حكايته ويحتاج السنيفيللين العرب إلى مشاهدته للوقوف على ما يمكن اعتباره بعد عشرات السنين حجر أساس سينما التشويق الخليجية.

22‏/2‏/2016

"الليلة الكبيرة"...حين يدخل الله إلى السينما


حديث البعض عن "مشروع سينمائي" يجمع الثلاثي أحمد عبدالله مؤلفًا وسامح عبدالعزيز مخرجًا وأحمد السبكي منتجًا يبدو مبالغًا بعض الشيء. كذلك التنظير بخصوص الدراما الأفقية والمؤطّرة بزمن سينمائي لا يتعدّى اليوم الواحد يبدو مغرقًا في التفاؤل والتعويل على منتَج سينمائي لا يوجد سوى في خيال بعض النقّاد. بدءًا من "كباريه" (2008) وتابعه "الفرح" (2009) ثم "ساعة ونص" (2012) وصولًا إلى "الليلة الكبيرة" في 2015؛ شكّلت دراما الحواديت المتقاطعة في مسافة مسافة زمنية أفقية ما يشبه "تريند" اعتمدته سينما السبكي لانجاز أفلام تبتعد ظاهريًا عن بقية انتاجات الشركة الموصومة من قبل الكثيرين بالمسئولية عن ظهور "موجة من الأفلام الهابطة والتافهة المحرّضة على العنف" خصوصًا في أوساط المصريين من الشباب والمراهقين. ويُذكر أن آخرين، مأخوذين بالنجاح الجماهير لتلك الأفلام، حاولوا استنساخ تلك الخلطة السينمائية مع تغييرات أسلوبية ونصّية طفيفة من دون أن يطرّز التوفيق تجربتهم.
"الليلة الكبيرة" هو آخر عناقيد الثلاثي عبدالله وعبدالعزيز والسبكي وقد بدأت عروضه التجارية في الصالات المصرية في أوائل ديسمبر  وذلك عقب عرضه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة. ورغم التوقعات بعمل سينمائي مختلف وجدير بتمثيل مصر في المسابقة الرسمية للمهرجان العريق فإن الفيلم نفسه أثبت مدى غموض أسباب ذلك الاختيار نظرًا للمستوى الفني المتواضع الذي ظهر عليه وهزال الطرح الفكري الذي يقدّمه حول الصوفية والسلفية.
كالعادة، تدور أحداث الفيلم في يوم واحد هو ليلة الاحتفال بمولد أحد الأولياء المتخيّلين (عرش الدين الأنصاري)، وبالتحديد من فجر تلك "الليلة الكبيرة" وحتى فجر الليلة التالية. مع افتتاحية مهيبة تظهر فيها خادمة المقام (سميحة أيوب) تبتهل بالدعاء قبل أن تدخل مقام الوليّ لايقاظ النائمين استعدادًا للاحتفال الكبير. وكالعادة، هناك الكثير من الشخصيات والحكايات المنفصلة والمتقاطعة والخطوط السردية المتوازية، حتى أنه ليمكن لهواة التوثيق والتفصيل كتابة مقال قائم بذاته يحوي أسماء الممثلين والشخصيات وحكاياتها. هذه الكثرة والوفرة تمثّل ثقلًا زائدًا على الفيلم الذي تبلغ مدته 123 دقيقة ويمكن بسهولة حذف ساعة كاملة من تلك المدة من دون أن يتغيّر شيء. ومن ناحية أخرى أعطت هذه الكثرة فرصة للعديد من الممثلين للظهور في شكل مختلف (كما في حالة علاء مرسي مثلًا) والعودة إلى الشاشة الكبيرة (كما في حالة وائل نور وصفية العمري).
هناك مورال أخلاقي ديني ثابت في الأفلام الأربعة هو في صلب العوار الذي يتخلّل ذلك "المشروع السينمائي" الذي يقترح العودة إلى "الشكل الصحيح للاسلام الوسطي" على حدّ قول المؤلف، وفيه يتمّ عقاب المتسبّب في الانحراف عن هذا الاسلام الوسطي: في "كباريه" يمثّل انفجار الملهى الليلي عقابًا مزدوجًا للمتشدّدين الدينيين والمنحرفين عن طريق الله على السواء، ولا ينجو من هذا العقاب الدرامي سوى النادل الازدواجي الذي يحافظ على الصلاة في أوقاتها أثناء عمله في تقديم الخمور للزبائن. في "الفرح" تتدمّر حياة العريس لعدم اسراعه في دفن والدته واصراره على استكمال الفرح لجمع النقوط كاملًا، ولا ينسى الفيلم تذكيرنا بالنهاية السعيدة التي كانت تنتظره إذا ما اتبع صحيح الدين وأنهى الفرح سريعًا ليدفن والدته ويكتمل الخطاب الأخلاقي الديني بالآية القرآنية: "إن أنا إلا نذير وبشير لقومٍ يؤمنون". في "ساعة ونص" يكون حادث القطار الذي يودي بحياة أغلب الشخصيات هو العقاب الدرامي لهؤلاء الأفراد المنخرطين في الفساد والجنس والتفسخ الاجتماعي، وبالطبع لا ينجو سوى الأنقياء والأطهار بحسب تعريف المؤلف.
الأمر ذاته نجده في "الليلة الكبيرة" ولكن بإدراة بؤرة الاهتمام إلى علاقة العبد بالمعبود بدلًا من ثنائية التطرف الديني والتطرف المضاد. يأتي هنا التشدد الديني الذي يمثله السلفيين الرافضين لإقامة الموالد والافراط في تغييب العقل الذي يمثله زوّار المولد، لينزل العقاب على اللاجئين إلى غير الله وهو الوليّ الذي يقام له المولد. وبدوره يختلف العقاب الدرامي قليلًا؛ فليس هناك كارثة عامة طارئة تحصد حياة العصاة والخطّائين كما في الأفلام الثلاثة السابقة ولكن عقاب ينتظر كل شخصية على حدة وبطريقة مفرطة في افتعالها وابتذالها.
في نهاية الفيلم يغمر المطر الجميع في كريشندو رمزي ربما يعكس نيّة صنّاع الفيلم في تمثّل يوم القيامة والتذكير به، ولكن ليس بالنوايا الطيّبة وحدها تأتي الأفلام الجميلة.



5‏/12‏/2015

أوديسا عراقية.. نشيد الشتات الأخير


ليس غريبًا على الإنسان رغبته في معرفة من أين جاء وتحصّله على هذا الشعور كنوع من حتمية فهم مكانه من العالم. يمكن الذهاب بعيدًا بهذه الفكرة إلى حد القول بأنه في حالة تجربة المهاجرين يمكن لتلك الرغبة أن تكون أكثر وضوحًا،حيث تتفرّع من نقطة الأصل والمنشأ تقسيمات كثيرة إلى أن تصير جزيئات متناهية الصغر بمرور الزمن.
أيًا ممن عاشوا تلك التجربة يمكنهم مطالعة تاريخ عوائلهم بنظرة سريعة وإكتشاف شساعة الإنتماء وجغرافيا القرابة ويمكنهم الشروع بعد ذلك في محاولة تشريح وفحص وإعادة بناء ذلك "البازل" العائلي إلى شكل محتمل متماسك. ربما يجد البعض ذهنه يدفعه بالحاح دائم إلى أشكال ممكنة للقيام بذلك، وفكرة فيلم "أوديسا عراقية" للمخرج سمير نقّاس ليست بعيدة عن ذلك. هناك ما يشبه الخبرة الجماعية العالمية فيما يتعلّق بالهجرة ومصائرها خصوصًا بين الأشخاص الذين يمتلكون تاريخًا مشتركًا مع بلد لم تختره عائلته مكانًا للعيش.

"أوديسا عراقية" هو فيلم سمير نقّاش الذي عرض مؤخرًا في مهرجان القاهرة السينمائي (11-20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري( وهو يتابع الطريق التى بدأها المخرج قبل سنوات في فيلمه السابق الجميل "إنسَ بغداد".

 على المستوى الخارجي، "أوديسا عراقية" فيلم عن الشتات العراقي. ولكن من جديد يمكننا التذكير بأن أربعة أو خمسة ملايين عراقي يعيشون خارج بلدهم، فلماذا سمير بالتحديد؟ وهذا سؤال يجمل إجابته بداخله. فيلمه شخصي بشكل صريح ولكن عالمي وجماعي في الوقت ذاته، إنه قطعة فنية متعددة المستويات حيث يمكن لكثير من جوانب التجربة المصوّرة أن تتقاطع مع بشر آخرين في شتات آخر: أين يعيش فرد معين من العائلة؟، ما الذي أتي به أتى إلى هذا المكان؟ والسؤال الأبدي عن مدى إختلاف الحياة إذا لم تحدث الهجرة من الأساس.

 من ناحية أخرى، هناك آخرين أكثر تحديدًا في تجربة الشتات العراقي مثل شخصية صدّام حسين، والعراق في وقتنا الحاضر، وخبرات وتجارب العراقيين بالخارج كما توضحها الشخصيات داخل الفيلم. ثم هناك المستوى الأخير: سمير. وبتوضيح أكثر، فإنه تحت كل مشهد من مشاهد الفيلم الوثائقي يكمن سمير :حكاياته، علاقاته، عائلته، تاريخه، وهو ما يمنح المشاهدين الفرصة لتواصل أكثر حميمية معه. هذا إذن عمل قادر على تقديم حكاية شخصية على خلفية تاريخية وسياسية في أثناء فحصه العلاقة المتأنّية والمعقّدة بين كلا الجانبين.

يخون المخرج السرد الوثائقي في معظم فترات الفيلم في سبيل المحافظة على البساطة باعطائه زمنًا أطول لرواية قصص المهاجرين من عائلته، ولكن الخلفية الشخصية مُهمّة في فهم إتساع وعمق ما يقدّمه سمير. سمير (بغداد 1955) من أب عراقي وأم سويسرية، عاش في سويسرا معظم حياته ولكن بقية عائلته –مثل أغلب العائلات المهاجرة وعبر أجيال في الشتات- تبعثروا في أماكن بعيدة مثل أستراليا ونيوزيلاندا وبريطانيا وأمريكا وروسيا. يكفي القول أن معظم أفراد عائلة سمير لا يعيشون في العراق بعد الآن، ومثله، فحكاياتهم تبدو أقل ارتباطا بالبلد نفسه منها إلى التقاطعات والمشتركات بينه وبين مكان هجرتهم. العراق الذي يتذكره سمير في طفولته لا يمت بصلة إلى العراق اليوم، ومشاهد الموسيقى والرقص والشباب الجامح والمشهد الثقافي المتنوع في بغداد منتصف القرن الماضي تجعلنا نفكّر في مدينة معاصرة يمكن الاحتذاء بها. ولكن ماذا عن اللحظة الراهنة ومصير عائلة سمير، تلك العائلة التي كانت عائلة بغدادية متوسطة فصارت عائلة معولمة يحاول أحد أبنائها لملمة ذكرياتها المبعثرة في أنحاء العالم الأربعة.

في مفتتح الفيلم، يوضّح المخرج من البداية إستحالة تغطيته كل حكاية من حكايات عائلته الكبيرة والمبعثرة. نرى الكاميرا تطالع شجرة عائلة كبيرة الحجم بشكل لافت، وببطء يتمّ تسليط الضوء على عدد قليل من الصور في شجرة العائلة ويصبح واضحًا أن هؤلاء بالتحديد هم محطّ إهتمام ما سيأتي من مشاهد الفيلم الوثائقي. هناك عنصر تراجيدي يؤطّر تاريخ سمير، وهو شيء لا تتشارك فيه جميع تجارب المهاجرين: إنه شخصي إلى حد كبير وبالنظر إلى إشتغاله على مستو وطني فبالتأكيد يحمل قدرًا من المشابهات مع تجارب أخرى. ولكن هذا التاريخ الشخصي يرزح تحت ثقل أليم صارخ وفريد من نوعه ينجح سمير في التعبير عنه في مسافة تتراوح بين الإخلاص الكامل والعاطفية المحضة.

وثائقي سمير شخصي وتاريخي في آن واحد، ويتم الاشتغال على ذلك خلال الأجزاء الثلاثة التي تتألّف منها "الأوديسا". أولًا سمير ينظر إلى جدّه، الرجل الذي قاتل البريطانيين وظلّ واحدًا من أبطال المخرج. بعد ذلك يصبح الفيلم أكثر شخصية مع دراسة المخرج لموجات الهجرة العراقية التي تصادف وجوده بداخلها في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. هناك جانب سياسي لذلك كلّه يؤطّر النصف الأخير من الفيلم، فهجرة سمير (القسم الثاني) تبدأ من وقت أتى صدّام حسين إلى الحكم بانقلاب عسكري واستمراره على كرسي السلطة طيلة ثلاث عقود، بينما القسم الثالث والأخير يبدأ من لحظة سقوط صدّام حسين.
 في تلك الفترة الممتدة لحوالي نصف قرن، يُظهر سمير تاريخًا كاملًا من النزوح والدمار بطرق -من دون وجود مثل هذا الفيلم- لا يمكن تصوّرها تقريبًا بالنسبة لمن هم خارج بلادنا العربية المنكوبة بحكّامها. من الصعب وصف ذلك ولكن "أوديسا عراقية" يقوم بعمل مذهل في هذا الصدد.


4‏/12‏/2015

"عيون الحرامية".. استعادة الانتفاضة الثانية


في فيلمها الروائي الثاني "عيون الحرامية"، تعود المخرجة الفسطينية نجوى نجّار إلى الانتفاضة الثانية، وبالتحديد سنة 2002 لتختار بطل حكايتها. "عيون الحرامية" اسم واد شهير بين رام الله ونابلس أقام فيه الاحتلال الإسرائيلي نقطة للجيش وحاجزًا عسكريًّا، قام قنّاص فلسطيني بإطلاق الرصاص على عناصره باستخدام بندقية أمريكية الصنع، وهو التفصيل الذي اعتمد عليه الأمن الإسرائيلي -في حينه- لترجيح أن يكون المسؤول عن التنفيذ شيخًا مسنًّا شارك في الحرب العالمية الثانية، أو مقاتلًا شيشانيًا، ولكن بعد مرور عامين اتضحت هوية الشاب الفسلطيني منفذّ العملية وتم اعتقاله والحكم عليها بالمؤبد.
تتغيّر الحكاية قليلًا في فيلم نجّار الذي يتابع في ساعتين وعشر دقائق قصة منفذّ العملية الذي تغيّر اسمه من ثائر إلى طارق (خالد أبو النجا) - وتغيرت بلدته من سلواد إلى سبسطية وتغيرت ديانته من مسلم إلى مسيحي- الذي يسجن عشر سنوات في السجون الإسرائيلية ويعود إلى بلدته ليفاجأ بموت زوجته واختفاء ابنته التي أودعت في أحد دور الأيتام، لتبدأ رحلته في البحث عن ابنته في المدن الفلسطينية.
بهذا التمهيد السردي، تؤسّس المخرجة دراما فيلمها على الثيمة الشهيرة "عودة الغائب" الذي يعود إلى عالمه القديم ويصطدم بطارئ الأحداث ومستجدات الوضع. ومع كلّ خطوة ومرحلة من رحلة طارق لاقتفاء أثر ابنته المفقودة ستتشكّل بداخله صورة جديدة عن وطنه وعالمه ونفسه: يبحث طارق، الحاصل على بكالوريوس الهندسة، عن عمل فينتهي به المطاف إلى إصلاح مواسير المياه لحساب واحد من الحيتان الصغيرة لمرحلة ما بعد أوسلو يدعى عادل (سهيل حدّاد).
لدي عادل مشغل لفساتين الزفاف تعمل به عدد من السيدات من بينهن ليلى (سعاد ماسي) التي تماطل في الزواج من عادل. لدى ليلى ولد من زوجها المتغيّب قسرًا وابنة بالتبني (ملك أرميلة). تنشأ علاقة صداقة بين طارق وملك التي يرى فيها ابنته المفقودة وترى فيه أبيها الغائب، يجدان في البلياردو مساحة مشتركة للتواصل وإنماء علاقتهما، وبطريقة ما يحدث استلطاف بين طارق وليلى لينطلق شرر ما يشبه العلاقة الرومانسية لتكتمل أضلاع مثلث الحب المتصارع.

اقتراب طارق من عمل عادل يضع يده على عديد من الأمور التي تتمّ في الخفاء ليصل إلى اكتشاف تعاون ربّ عمله مع الإسرائليين لإمداد مستوطنة جديدة بالمياه في الوقت الذي تنقطع فيه عن نابلس. يتشكّل صراع الفيلم الدرامي في مثّلث أضلاعه طارق وليلى وعادل وفي القلب منه نور/ملك. يقرّر طارق فضح عادل أمام أهل البلدة في يوم زفاف الأخير على ليلى، التي رفضت سابقًا الهرب مع طارق في سبيل تأمين حياة كريمة في ظلّ عادل المتنفذّ والقادر على توفير مستقبل مطمئن للعاملة الجميلة وأسرتها الصغيرة.
"عيون الحرامية" أُنجز بمساعدة مختبر صندانس لكتابة السيناريو واختير لتمثيل فلسطين في سباق "الأوسكار" للعام الماضي، والفيلم في عرضه لحكايته المتجذّرة في الواقع المظلم للاحتلال الإسرائيلي يبدو كأحد نتاجات ورش الكتابة الهوليوودية مع قفزات سردية غير مبرّرة والحرص على نثر بعض الترميزات والإسقاطات السياسية (الحديث الدائر وقت نقل طاولة البلياردو مثلًا) وتطعيم الفيلم بقدر موسيقى أكثر من اللازم، والمحاكمة المسرحية في نهاية الفيلم، والنهاية السعيدة نفسها التي تذكّرنا بالمشهد الشهير لشادية في نهاية فيلم "شيء من الخوف".
"عودة الروح" يصلح عنوانًا بديلًا لهذا الفيلم الذي حاولت مخرجته تقديم وجه آخر لحياة فلسطينيي الداخل المحتلّ وعرض النضال الوطني للفلسطيني المسيحي ضد الاحتلال، والإشارة كذلك إلى خلل النفس الفسلطينية بوجود المتعاملين مع العدو الذين يتحايلون على قهر إرادة أبناء وطنهم في سبيل طموحهم الشخصي المرتبط بالعدو، مع تركيز المخرجة على تفاصيل اليومي والمعاش للفلسطينيين في الأراضي المحتلة بما فيه من أوقات مرح وكدر وفرجة للتأكيد على تمسّك الشعب الفلسطيني بحقّه في الحياة "العادية".
التأكيد على عروبة القضية الفلسطينية كان محور الكثير من أحاديث المخرجة، ولا يظهر ذلك في كاستينغ الفيلم فقط ولكن في الاختيارات الموسيقية التي تتناثر في الفيلم فنسمع أغاني مصرية ولبنانية وفلسطينية وجزائرية، وكأن المخرجة تقول أن ما فشلت فيه السياسة ربما ينجح الفنّ في إيجاده. خالد أبو النجا وسعاد ماسي تدرّبا لفترة على اللهجة الفلسطينية وإن كان أداء الممثل المصري أوفر حظًا في الإقناع، ولم تخلُ هذه التجربة من المشاكل سواء مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تعنّتت كعادتها في استخراج تصاريح الدخول للممثلين، أو في اتهامات بالتطبيع لاحقت الممثل المصري المعارض للنظام الحاكم.