19‏/8‏/2015

" Only Lovers Left Alive": الخلود مملّ، الحُبّ باقٍ


لم نعد موجودين كمؤلفين مسرحيين أو ممثلين ولكن كمحطات لشبكات متعددة […] مشاهدين سلبيين لمشهد فارغ  لا يحدث فيه شيء ومع ذلك يملأ مجال رؤيتنا" – جان بودريار (نشوة الإتصال، 1987) 

دعونا نقولها بصراحة: جيم جارموش/ Jim Jarmusch مخرج رائق أو كما يقول التعبير الإنجليزي:cool، وهذا الإدّعاء يدعمه بسهولة حقيقة أنّه يمتلك ذلك الشعر الأبيض المنتفخ على رأسه ويرتدي سترات دنيم (denim) وعادة ما يتناول الغداء مع باتي سميث. ومع ذلك حين يأتي الحديث لمناقشة أفلامه، يبدو مُخلّاً اختزالها في صفة من أربعة حروف تعادل في مضمونها توقعات الأرصاد الجوية أو اسطوانة موسيقية لصديق موقّعة من مطربه المفضل. وخلافاً لتلك الأمثلة المقبولة بشكل عام لتعريف صفة "الكول" فإن أفلام جيم جارموش مكتوبة بذكاء ومشيّدة بقدر كبير من التفصيل بصريًا وبنائيًا ودائمًا مع انتفاء ذلك الاحساس –حين يكلّل بالنجاح- بأن النسخة النهائية تمّ انجازها بمشقّة كبيرة ولكن بطريقة أشبه بدورة الحمل والولادة (باقتراض تعبير جارموش نفسه للجنس والولادة ومقارنتها بعملية صناعة الأفلام). في صورتها النهائية، تبدو أفلامه كألبومات مصوّرة مكرّسة لمفهوم ما (concept) تجمع مصفوفة من الأفكار المتخاطبة مع بعضها البعض، بدون الاحساس بأن المنتج النهائي عبارة عن خطبة أو عِظة سينمائية مملّة يلقيها جارموش في ردائه المخملي وسترته الدنيم ونظارته الشمسية وقد تقمّص دور واعظ كَنَسي.

 الجغرافيا البشرية لسينما جيم جارموش كانت دائما واحدة من أكثر العوالم الكوزموبوليتانية التي يمكن أن تخرج من السينما الامريكية. مبكرا جدا من قبل أن تسمح ميزانية أفلامه بعبور المحيط الأطلنطي؛ قرّبه فضوله إلى التيارات الأجنبية التي شكّلت بلاده وأبعده عن المناطقية المتناقضة في السينما الأمريكية (أفلام المقاطعات أو المناطق منتشرة في السينما الأمريكية وريتشارد لينكلاتر مثال جيد على ذلك التيار). آلي المتسكع في Permanent Vacation (1980) يريد الانتقال إلى باريس (فقط ليقابل في نهاية الفيلم معادله الباريسي الذي يريد الانتقال لنيويورك)، المجرية ابنة عم ويلي في Stranger Than Paradise (1984)، الايطالي الغريب في Down By Law (1986)، الزوجين اليابانيين والمرأة الإيطالية والإنجليزية  في Mystery Train (1989)، وهلم جرّاً، سينماه يسكنها المهاجرون والأجانب. ما أنقذه جارموش من المطابقة الأمريكية الإلزامية هو جوهرها، ذلك المزيج من طفل السباق الذي يخشي من شوائبه العرقية ومن ثم يتركّز هدفه على تأكيد تفوقه المزعوم عن بقية خلق الله. إنه بالضبط الترجمة السليمة لافتراض السينما الامريكية أن أفلام جارموش كانت تشرب من معين آخر طيلة حياتها. وجد جارموش جمال البلاد البعيدة في تفاصيلها الصغيرة وشخصياتها الهامشية، حتى حين يزور أرض ميلاد الأساطير والخرافات (Mystery Train). النجاح الذي وجده جارموش في أوروبا لم يكن مقصودا يوما أو مروّجا له ولكنّه أتى كنتيجة منطقية لاختياره ملاحظة وتصوير بلده بعيون شخص أجنبي، وبدلا من تمجيد مثاليتها (المعلومة بالضرورة للعالم كلّه) قام بتشريح عيوبها الرائعة بعناية تبتعد عن السنتمنتالية. لقد وقف بعيدا على حواف خارطة الأيقنة الأمريكية (American iconography) وفكّر طويلا في الأيقونات كأنداد وليس كآلهة.


تلك الهامشية في التعامل والتلقي لأفلامه تبدو مدخلا مناسبا للحديث عن المخرج وفيلمه الأحدث " Only Lovers Left Alive"- يمكن ترجمته إلى "وحدهم العشّاق بقوا أحياء"- والذي بداية من عنوانه يمكن الاحساس بحسّ صوفي يحضر في الأجواء، وقد ذكر المخرج الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي في أحد الأحاديث الصحفية. على الرغم من اكتسابة الاحترام في عالم السينما الفنية؛ فقد نأي جارموش بنفسه عن القلق التنافسي مع أقرانه ومعاصريه والذي أصبح سمة أساسية (وبغيضة) تميّز كل جانب من جوانب الثقافة المعاصرة. هناك اقتضاب ربما لم يكن مقصودا وتلميحات بيوغرافية في احدث أفلامه. فامبيرز "وحدهم العشاق" مخلوقات ثقافية غير متوافقين مع الوقت الحاضر وضوء النهار. يعيشون حياة ليلية ساكنة  لا تمت بصلة لتلك الاضواء التي تسلّط على المشاهير في محاولة لاخفاء خوائهم بصورة مؤقتة، يعتمدون على دماء طازجة من أجل البقاء على قيد الحياة ولكن يبدو أنهم يعيشون في ذاكرتهم حصرا فهم ميتون تقريبا لأنه لا يوجد لهم مكان في الوقت الحاضر. مفارقتهم الأكثر وضوحا هي حاجتهم الإلزامية للتفاعل مع ذلك العالم الغريب عنهم. فامبيرز جارموش مشابهين للمخرج نفسه، جاؤوا من زمن كانت فيه عُلب الثقافة الشعبية هي المكان "الكول" الذي يجب على الجميع التواجد فيه. المتعهّد الموسيقى الشاب الذي يزوّد آدم بأي شيء يحتاجه، لا يستطيع تفهّم ابتعاد ذلك الفنان العبقري عن الأضواء. كونك خارج عن المألوف (outsider) لم يعد موضة، لقد أصبح شيئا من الماضي. هل علاقة حُبّ لا مبالية شيئا من الماضي أيضا؟ هل مازال بامكاننا حُبّ أي شخص غير هؤلاء الذين يشاركوننا ذواتنا بداخلهم؟. آدم وحواء، مصّاصي دماء غارقين في الحب منذ قرون على الرغم من افتراض وجود فترات انفصال بينهم (واحد يعيش في ديترويت والآخر في طنجة). شاعرين بالملل من حياة كلّ منهما ومطاردتهم اليومية للدماء يتفقا على اللقاء في ديترويت، مدينة عدن الصناعة الأمريكية في القرن الـ 20.
"وحدهم العشاق" فيلم عن ماذا نقول وماذا نفعل حين يكون كلّ شيء حول الطرف الآخر قد تمّ اكتشافه، تلك النقطة في العلاقات نادرًا ما يتمّ تمثيلها في الأفلام؛ ناهيك عن الاحترام والرومانسية التي يتعامل بها جارموش هنا مع تلك الفكرة، ويحدث أيضا أن يكون هذا في فيلم عن مصاصي الدماء (vampires) رغم أن كلمة فامبير لم تذكر مرة واحدة طيلة دقائق الفيلم الـ 123. جارموش علّق على ذلك بأن الفامبيرية ليست مركز اهتمام الفيلم ولكنها نقطة الانطلاق في استكشاف الصداقة الرقيقة والمصونة على مدار سنين طويلة، وباختياره لقصة العاشقين الأبديين فإنه يأخذ تلك الفكرة إلى نقطتها الأبعد. من هذا المنطلق فلا يمكنني سوى الشعور بأن هذا الفيلم ضريح تم بناؤه خصيصا لاحتواء تيلدا سوينتون/  Tilda Swinton. شخصية حواء تحديدا تمت كتابتها وسوينتون في بال جارموش، وقد كان للممثلة دورا فعّالا في رؤية الفيلم ورحلته التمويلية التي استغرقت 7 سنوات لانجازه. حواء، كما أدّت دورها سوينتون، تحزم حقيبتها فقط مع رواياتها العزيزة -والتي تتراوح بين دون كيشوت وروايات عبير- وتترك "عُشّها" في طنجة المغربية  للذهاب إلى حبيبها الواهن آدم (والذي يلعب توم هدلستون/ Tom Hiddleston دوره بطريقة هزلية رائعة). تبدو حواء مثل إنذار إلهي، تقود حبيبها بعيدا عن الصخور وتؤكّد احساس كلا منهما بمثابة وقود الحياة لبعضهما البعض بالقدر الذي يحتاجان إليه للدماء (دعونا لا ننسى أننا نتحدّث عن حبيبين من مصّاصي الدماء). التوازي الجميل بين لقاؤهما الأول على الشاشة حيث تعود حواء برأسها في إنتشاء بينما يستنشق الحبيبان الهواء في المسافة بين شفتيهما، يعيد التذكير بلقطات ردّ الفعل السابقة للأجواء الاحتفالية الصاخبة المصاحبة لطقس شرب الدماء من الكؤوس الزجاجية. الفيلم الذي تدور أحداثه بين ديترويت وطنجة، يستكشف الفضاء الذي يخلقه الانسان في الحب وفي نفس الوقت فهو عن الحميمية (intimacy)، تغذية كل واحد للآخر.
الكلمة التي تتبادر إلى الذهن من مشاهدة هذا الفيلم هي "الصخب"، سواء كان ذلك بفعل انتشاء أشبه بيوفوريا المخدرات أو إيجاد مسرح جميل مهجور أو الرهبة من إعادة إكتشاف الحبيب منذ مئات السنين. تصميم الأزياء (costume design) في الفيلم جميل ولا يخلو من تأثر ديني، خصوصا في رداء حواء الذهبي المطرّز الذي تلبسه في رقصتها المنتشية على أنغام الموسيقى، بين كتبها التي تؤطر زوايا الكادر، وكاميرا عين الصقر تلتقطها من أعلى. هذا المشهد الافتتاحي يمكن اعتباره إجابة جارموش على البورتريهات المرسومة في عصر النهضة الأوربي للزوجين آدم وحواء، حواء تدور فى ردائها بين كتبها بينما آدم مستلقيا على أريكته والعود في يده.
"وحدهم العشّاق" لن يكون فيلمًا جارموشيًا إذا لم يعالج مسألة وجودية واحدة على الأقل، والمسألة هنا يمكن تلخيصها في سؤال "ما الذي نعيش من أجله؟". الفيلم من ناحيته أجاب عن ذلك في العلاقة بين آدم وحواء اللذين صمدا معا خلال عملية الهجرة (الزمانية والمكانية) التي عانياها في الفيلم وعبر السنوات الطويلة. ديناميكية الفيلم تأتي من الفكرة المثالية: نحن vs هم، العاشقين مقابل العالم كلّه، والرومانسية الأكثر من المعتاد في أفلام جارموش ذات النبرة العبثية والساخرة، تلك الرومانسية تأتي كنتيجة طبيعية لتبنّي الفكرة المثالية. هذا السعي من أجل تمرير الحياة جنبا إلى جانب مع بقية العالم هو مصدر وجودية الفيلم ولكنه أيضا جوهر كوميديته. ميا فاسكوفيسكا/ Mia Wasikowska تلعب دور الطفلة الفظّة باتقان يمنح المشاهد تسلية كبيرة، وأنتون يلشين/ Anton Yelchin يجد ضالته في دور ذلك الشاب القادم من خارج هذا العالم (عالم الفامبيرز) ويريد أن يكون محبوبا فيه مثله في في ذلك كحال طالب من الصف الأدني يسعى لاقامة علاقات مع مجموعة من الطلاب الأكبر سنّا. جيفري رايت يظهر على استحياء في دور الطبيب والمزّود للدم وقد لعب الدور بتلك السلاسة من التكتم والعناد العارض في مواجهة عميل غامض من الفامبيرز.

 فيلم شخصي؟
الكثير من تشخيص حواء والنبرة في علاقة العاشقين واهتمامهما بالموسيقى والعلوم والآداب، كلّ ذلك قادم من جارموش وسوينتون وينعكس عليهما أيضا. الممثلان المعتادان على العمل مع المخرج، جون هارت/ John Hurt وجيفري رايت/ Jeffrey Wright موجودان هنا أيضا وهو ما يذكّرنا بقول المخرج في احد المؤتمرات الصحفية : "تلمَُس الطريق في الظلام بصحبة الأصدقاء أفضل على الدوام من تلمَُس الطريق وحيدا في الظلام". يبدو الفيلم "شخصيا" إلى حد بعيد مع جارموش الذي يستثمر ويقترض قدرا كبيرا من حياته لتقديم عالم العشّاق على الشاشة. هناك على أحد حوائط شقة آدم، صور كثيرة لشخصيات يعتبرهم آدم "أبطاله"، حائط الأبطال هذا دعى بعض المهتمين الشغوفيين بعالم الفامبيرز وجيم جارموش لمحاولة فكّ شفرة هذه الصور وأصحابها، ويمكن لنا اكتشاف مدى التشاركية بين جارموش وآدم  من خلال هذا الحائط. فرقة جارموش الموسيقة " SQÜRL" عملت مع المؤلف الموسيقى جوزيف فان فيسيم/ Josef Van Wissem لخلق مزيج روك ضوضائي (noise-rock) يعمل كموسيقى تصويرية لقصة العاشقين، والموقعين اللذين قدّمهما الفيلم (ديترويت وطنجة) تمّ اختيارهما بناء على نداء داخلي لدى جارموش. اللقطات التي تصوّر الخراب الذي حلّ بديترويت (أكبر مدينة صناعية في أمريكا سابقا) جميلة بشكل لا يمكن إنكاره ومثّلت خلفية مناسبة لآدم، في مقابل الهدوء والأزقّة المتعرّجة في طنجة والتي عادة ما تعبرها حواء للعثور على مبتغاها. هذه هي المرة الأولى التي يصوّر فيها جارموش بالديجيتال ورغم ذلك لم يفقد الفيلم شيئا من قيمته نتيجة هذا الاختيار، لا سيما مع ذلك الدفء المتفرّق  للإضاءة الداخلية بواسطة يوريك لو ساول/ Yorick Le Saul والحضور الطاغي للمكان الذي يبدو مألوفا ولكنه خاليا كذلك، يصدّر احساسا بالعيش في ديوراما (diorama) أكثر منه مكانا طبيعيا للعيش.
مساهمة جارموش في تطوير ميثيولوجيا الفامبيرز تأتي في شكل قفّازات يرتديها مصّاص الدماء وتُخلع من قبل مُضيفه لكن يمكن لنا الجدال بأنه طوّر المسثيولوجيا لدرجة أن الفامبيرز مطلوب منهم أن يكونوا جذابين ومثقفين بما يكفي للنظر باستعلاء واستهزاء لهؤلاء الزومبيز (البشر) من حولهم الذين يساهمون بنشاط في إهمال ثقافة عاش خلالها (الفامبيرز) وأحبوها عبر السنين. من الصعب معرفة ما إذا كان آدم هو الذي يتحدّث هنا ام جارموش، ولكن  افترض أنه إذا قدّر لك العيش مئات السنين (أو كما في حالة جارموش، عملت في صناعة السينما لمدة 30 عاما) ألن يكون لسان حالك مشابهًا لذلك الكلام؟. جارموش يرتدي استعلاءه بفخر  في هذا الفيلم الذي يبدو في المشاهدة الأولى مثل ردّ موجز وسوداوي على فيلم وودي آلن " Midnight in Paris". آدم يحكي عن علاقات مع كبار الموسيقيين الذين عرفهم كفرانز شوبرت الذي أهداه جزءاً من سيمفونيته "أداجيو". كريستوفر مارلو المستوحى من الكاتب الإنجليزي كريستوفر مارلو (1564- 1593) ينسب أعمال شكسبير لنفسه، لكنه يعبر عن ندمه  لأنه كتب "هاملت" قبل أن يتعرّف إلى آدم. (جارموش نفسه يتبنى نظرية التشكيك في أصالة شكسبير في الفيلم، وعبّر عن ذلك في مقابلة أجريت معه). الإشارات المرجعية هنا تتراوح بين بايرون/ Byron المتعجرف والأطباق الطائرة والنظرية النسبية والهندسة الكهربائية والثلاثينيات ورقصات السوينج. المدى الكبير للمراجع التي يأتي بها جارموش مرعب وقد حدا ذلك ببعض النقاد لوصف ذلك بأنه "دراسي" بعض الشيء. ولكن يمكننا الاعتقاد بأن كلّ تلك الاشارات جاءت موفقة وباعثة على المرح، وإذا تمت قراءة الفيلم كبورتريه شخصي فضفاض للمخرج فإن القول بأن تلك الاشارات جاءت بدون قصد معيّن أو نية واضحة مخالف للزعم بأنها استعلائية أو دراسية. من هذا الجدال نخلص إلى أن أفلام جارموش أحيانا ما تمثّل للبعض هلاما فكريا لا يمكن القبض فيه على حبكة درامية وبالتالي لا يسمح لهم بالدخول إلى "موضوع" الفيلم، مثل فيلمه السابق "حدود السيطرة/ The Limits of Control "، ولكن حين تُضبط التوليفة –مثلما هو الحال في "وحدهم العشّاق"-  فإنه ينتج احساسا بالجشتالتية (Gestalt): يصبح الفيلم أكثر من محصلة تلك الأفكار المتشابكة والتفاصيل الفضفاضة التي يحتويها.
قرب نهاية الفيلم يلمح آدم وحواء عاشقين صغيرين يتعانقان، وفي محاولة أخيرة للبقاء يقرران الهجوم عليهما وشرب دمهما، كأنهما بذلك الفعل يرغبان باكتساب الحيوية والشباب الساريين في عروق العاشقين الصغيرين لمداهمة الموت الرابض بالجوار. إيقاع الفيلم المتأنّي (وليس البطيء) بحواراته المتشعبة وفترات الصمت والموسيقى الزاخرة التي تتخلّل الرؤية القوطية لثقل الزمن بحسّ ميلانكولي  وحنين إلى الحيوات الماضية والجنة المفقودة، ليس غريبا على جارموش ولكنه يأتي بصورة أكثر إلحاحا. كذلك البحث عن الزمن ومحاولة القبض على ايقاع الحياة لتقديمها على  الشاشة كما هي في الواقع، كانا دائما شاغلين أساسيين للمخرج منذ فيلمه الأول الذي تتالت بعده الشخصيات المتسكعة والهائمة، المسافرة والباحثة، مثل المخرج تماما، عن شيء غامض لا تعرف ما هيّته، ودائما "نحن ننشغل بما لا نعرفه".
على نطاق أوسع فقد يشعر المشاهد أن الفيلم يطرح أسئأته الخاصة عن دور الفن والفنان في العالم. خلال السنين وفي كل عصر ظلّ هناك من يرى نهاية الثقافة، ولكنها لا تزال مستمرة. كريستوفر مارلو (كما يقوم بدوره جون هارت) بمثابة امتداد لذلك السؤال من ناحية: من الذي نضرّه  -أو للصراحة الخالصة ممن نمص الدماء- لنصنع "فننا"؟ وهل استمرار مسيرة الفن خلال التاريخ غير طبيعي؟. كريستوفر مارلو يموت في النهاية ولا يقدّم جارموش أية اجابات، وحتى من غير الواضح في الحقيقة أنه فكر في مثل تلك الاسئلة، ولكن هناك اقتراح بضرورة تحرير العلاقات والاتصالات الانسانية كفترة راحة أو مُهلة من الزخم الناتج من محاولة دفع العلاقة للأمام باستمرار. إذا كان ذلك يبدو مثاليا للغاية بالنسبة للمشاهد، فهناك الكثير من الطرائف الكئيبة التي سيقابلها في هذا الفيلم.


الفيلم: Only Lovers Left Alive
تأليف وإخراج: Jim Jarmusch
سنة الإنتاج: 2013

2‏/8‏/2015

مونوكروم الألفية الجديدة (3): ثلاثة أفلام أوروبية

 
The White Ribbon (2009)

"أعتقد أنه يجب عليّ قول الأحداث الغريبة التي حدثت في قريتنا" يخبرنا الصوت في بداية الفيلم، ثم يضيف: "ربما (الأحداث الغريبة) توضّح بعض الأشياء التي حدثت في هذا البلد." رحلة هانيكي للتوضيح مختلفة كثيرا ولكن هناك شيئ مزعج وصادم في محاولة الفهم السينمائية تلك المصوّرة بطبقة رائعة من الأبيض والأسود. إنه العام 1913، طبيب في قرية صغيرة يكسر عظمة ترقوته حين يتعثّر حصانه بسلك مخفي في الأرض. الشرطة تقوم بتحقيق وباقي القرية تثرثر وتخمّن. ما من جاني واضح وسلسلة من الأحداث المروّعة تبدأ في التراكم بعضها على بعض. يستمرّ الفيلم في تحويل بؤرة تركيزه بين مجموعات متنوعة من الشخصيات: الطبيب وعشيقته والأطفال، البارون وأسرته، القسّ وعشيرته الخائفة، وأحيانا صوت الراوي، مدرس القرية، الذي يبدّل أحداث الفيلم من وجهة نظر مستقبلية.
النساء - والفتيات - في عالم الفيلم يتحدد وجودهن في المقام الأول من خلال نظرة وإرادة الرجال. وبالنسبة لأطفال فالحياة كئيبة، ولكن يبدو أن هناك مزيدا من كآبتها مخصص للفتيات. هناك صدمة عميقة في فيلم هانيكي، ومجتمع بروتستاني قائم على هيراركية قمعية تجعل العجائز الاسكتلنديين في فيلم " Breaking the Waves, 1996" للارس فون ترير أشبه بمهرجين. في مركز ذلك القمع يتم تقديم بورتريه للقس (Burghart Klaussner) وعائلته: رجل دين صارم وقاس، يقوم بجلد أبنائه عقابا على أكثر الافعال براءة. والأطفال بدورهم يردّون بوضوح، ولكن لديهم تلك العادة الغريبة في الاختفاء –دائما لأسباب تتعلّق بالأدب السلوكي- عندما تبدأ أكثر الأشياء المقلقة في الحدوث.
وهنا يجب الاشارة إلى أداء الممثلين الصغار الرائع والمذهل، ولعل سبب ذلك يرجع إلى حرص المخرج في اختيارهم، فقد أجرى اختبارات أداء لأكثر من 7000 طفل قبل البدء في التصوير. كما أن الفيلم تضمّن الكثير من الحوارات الفلسفية والتي جاء أقواها بين هؤلاء الصغار مثل ذلك الحوار بين ابن الطبيب وأخته الكبرى عن ماهية الموت وأسبابه.
ميشيل هانيكه سينمائي لا يتساهل في عمله، ومثير للاعجاب في استكشافه للتشويق بطرق وأدوات مختلفة دون اللجوء في أي مناسبة إلى خلق الإثارة thrilling. الثيمة الأساسية في أفلامه هي التأصيل لفكرة العنف والبحث عن أسباب تطرف السلوك الإنساني. في فيلمه "Funny Games, 1997" يقدّم قصة مروّعة عن شابين يقتحمان بيوت الاثرياء ويقومان بـ"ألعاب دموية مرحة" تستدعي رعبا تفشل أغلب أفلام الرعب في ايقاظه. وبينما لا يقدّم هانيكه تمهيدا تأسيسيا لشخصياته ودوافعها إلا أن العنف يفرض نفسه في صدارة الصورة، وكأن المخرج يبصق فكرته الملعونة في وجه المشاهدين ليتفكّروا فيها. تكنيك مشابه يستخدمه هانيكه في فيلمه الفائز بسعفة "كان" الذهبية لعام 2009 ولكن بكثير من الاضمار والتخفي تحت أقنعة القمع السياسي والديني والمجتمعي.


يأخذ هانيكه قطعة صغيرة من فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى (قرية بروتستانتية بشمال ألمانيا، عالم داخل عالم) ويظهر بعضا من أسرارها وبالأخص العنف الكامن فيها لنصل في نهاية الفيلم إلى خبر اغتيال ولي عهد النمسا في البوسنة، تلك الشرارة الحقيقية التي فجّرت الحرب العالمية الأولى ويتوقف الفيلم عند تلك اللحظة ليترك مشاهده يقوم بدوره في التساؤل عن غموض يلفّ تاريخ الانسانية في لحظاتها الفاصلة.

The Artist (2012)

عندما أخبرت البعض حول فكرة الفيلم، ضحكوا علي. أصدقاء، ممثلون، منتجون، كلهم ضحكوا عليّ. قالوا لي: حسناً، حسناً، أخبرنا ماذا تريد أن تفعل بالضبط؟ بالنسبة لي، رغبت في صنع فيلم ساحر وخارج عن السياق. لكن، لا أحد كان يعتقد أن فيلماً كهذا سيكون صالحاً للتسويق".  - ميشال هازانافيتش


السبب الرئيسي لتقدير ذلك الفيلم الفائز بحفنة من جوائز الأوسكار، هو جرأته. إذا أخبر أحدهم صديقه من عشر سنين مضت أن ثمة فيلم شبه صامت ومصور بالأبيض والأسود ومستقل (بالمعايير الامريكية) سوف يحصل على أوسكار أفضل فيلم في غضون سنوات قليلة، فأغلب الظنّ أن الضحك الساخر سيكون في انتظاره. ولكن المخرج مايكل هازانافيتش Michel Hazanavicius انتزع القدرة على حكاية هكذا قصة بطريقته الخاصة ويا لها من حفاوة مبالغ فيها تلك التي قوبل بها. فجزء كبير من الاشادة والحفاوة الكبيرة التي استقبل بها الفيلم كان نوستالجيا بامتياز، فهذا فيلم بسيط جدا ومصور بـ"أبيض وأسود" لا يمتّ بصلة لذلك الأبيض والأسود زمن السينما الصامتة. إننا في العام 2012 والصورة فائقة الجودة تعطي ذلك الانطباع الـ"واو" بجماليات المونوكروم، كما أن الفيلم قريب جدا من الجماليات التقليدية للسينما الامريكية وهو ما يفسّر الشيوع الكبير له في أمريكا أكثر منه في فرنسا (بلد الانتاج وموطن أغلب صانعي الفيلم بما فيهم مخرجه وكاتبه).

تدور أحداث الفيلم حوالي سنة 1927، السنة التي ستشهد ظهور أول فيلم سينمائي ناطق، وتعرض قصة جورج فالنتين (Jean Dujardin) الممثل الذي يعتبر من أفضل ممثلي عصره، ويواجه شبح أفول نجوميته. يرفض الفنان أن يمثّل في الأفلام الناطقة ويصرّ على التمسك بعمله في السينما الصامتة، في نفس الوقت الذي تداعب الشهرة والنجومية صديقته الممثلة الشابة بيبي ميللر (Bérénice Bejo) التي بدأت العمل في الأفلام الناطقة.
بطريقة مشابهة في بساطتها لأفلام تلك الفترة، يعرض المخرج مخاوف رؤيته لفن السينما كفعل مبهج، ويمرّ كذلك على أزمة بطله الناجح والخوف الهيستيري من فقدان امتيازات النجاح في عالم جديد ومتغيّر، وكيف يمكن للانسان تدمير نفسه باختياره لقرار ما تتهاوى بعده كل أساسات الأمان الوجودي.
وكي يخفّف هازانافيتش من قسوة قصته التراجيدية يقوم بتطعيهما ببعض العناصر الكوميديا التي يمكن قبولها بقليل من التجاوز (مثلا، الكلب الصغير المرافق لفالنتين)، ولكنه يفشل في الحفاظ على اتزان قصته والانجرار وراء التماهي المجاني مع السينما الصامتة بدون اعتبار للسياق الزمني المختلف، فتأتي النهاية السعيدة بعد أن يوافق فالنتاين على مشاركة ميلر الرقص في فيلمها الجديد، فيستعيد توهج الأيام الخوالي ويعيش في تبات ونبات مع امراته التي تنتشله من براثن الانتحار.
"الفنان" أول فيلم صامت يحصد "الأوسكار" منذ 83 سنة.  أما جان دوجردان فهو أول ممثل فرنسي ينال الأوسكار.

Tabu (2012)
"السينما لعبة" – ميجيل جوميز

يقسّم المخرج البرتغالي ميجيل جوميز/ Miguel Gomes فيلمه إلى قسمين (يسبقهما مدخل مراوغ لحكاية قديمة تعرض في احدى دور السينما في لشبونة المعاصرة) الأول بعنوان "فردوس ضائع" تدور أحداثه في لشبونة في الزمن الحاضر، والثاني بعنوان "فردوس" يستعيد حكايات الشباب في أفريقيا. فكرة التقسيم مفارقة رائعة بالطبع ، فكما يعلم الجميع، ومثلما يضعها مارسيل بروست بشكل مناسب، فإن الفردوس الوحيد هو الفردوس المفقود.

بعد ثلاثة أرباع ساعة من الفيلم لا نشاهد فيها سوى أطلال ماضٍ غامض لامرأة ثمانينية غريبة الأطوار تحمل إسم أورورا تفقد سيطرتها على الأمور بفعل الألزهايمر. تعتني بها خادمتها وجارتها المخلصة بيلار التي تكافح بدورها لمراودة وحدتها بالتزام كاثوليكي ويساري يناسب طبيعتها التي تحاول تخفيف آلام الآخرين وخطاياهم.

 وعندما تبدأ قصة شباب أورورا عند سفح جبل تابو في موزمبيق يصبح واضحا حضور الكاتبة كارين بليكسن/   Karen Blixenوأفريقيتها في تحيّة متخفّية من المخرج والناقد ميجيل جوميز، والذي يوجّه تحيّة أخرى للسينما الصامتة سواء باقتباسه لاسم الفيلم من فيلم مورانو/ F. W. Murnau، أو طريقة تصويره بالأبيض والأسود (إدارة غنية وتملء العين من روي بوساس/ Rui Poças)، واستغنائه عن الحوار. جوميز هنا ربما يستشهد بحكاية استعمارية مبكرة تستعيد روبنسون كروزو أو يختار خادمة من مستعمرات الماضي تعتني بحفيدة المستعمر الخرفة في بلدها الذي أصبح يعاني اقتصاديا ، ولكنه أبدا لا يقلّد أحدا.
 يوغل المخرج في اللعب ويلمس كل ما هو مبتذل بلمسة شعبية ((pop تضيف شيئا من السحر حيث نستمع إلى أغانٍ ستينياتية تضمّن تنويعات صوتية برتغالية، وفي الوقت نفسه يتحدّث عن سخرية وعظمة المشاعر. اللمسة ما بعد الحداثية تمزج الضحكة المكتومة بالرومانسية الشديدة.
فانتازيا سينمائية مُطرّزة باتقان ومزاج يعتني بالصمت. شريط الصوت عبارة عن خليط مدهش من الصمت-الكلام (لايوجد حوار، ولكن صوت) هو المقابل لسحر استعادة حب فاشل دون العودة لشروطه المستحيلة. بدايات الحرب الاستعمارية، والأجواء الداخلية لمجتمع استعماري صغير أشبه بجالية منقرضة، والرغبة الممتدة بين أورورا وعشيقها فينتورا، والأغاني الأفريقية، وأصوات الغابة،، كل شيء يساهم في خلق فيلم رائع يفرض قرابته على فيلم "India Song" لمارجريت دورا ومنفاها وغرابته المدموغة باللاطمانينة. يمتلك الفيلم قوة استثنائية لرفع تلك الحكايات المنسية في روايات المغامرات، الحكايات المحتشدة بالحب والرومانسية والجموح والمفاجآت والحلول الصعبة، رفعها إلى مستوى آخر من المعالجة وتشبيكها –بكثير من الروقان إن جاز التعبير-  في مشروع سينمائي يتجاوز تقليدية الوسيط والروايات الرسمية عن الماضي الاستعماري وتأثيراته في حكاية سردية مبنية على صمت غزير يغذّي سحر الصورة السينمائية.
في أحد الرسائل المكتوبة بلغة أدبية بليغة تقول أورورا لفينتورا بأن ذاكرة العالم أبدية ولا يمكن لأحد الفكاك منها. تموت أورورا وفي المستقبل القريب يلتحق بها فينتورا، بينما التمساح، الذي يفتتح ويختتم الفيلم، يبقى شاهدا صامتا على حكاية الحبّ المحرّم. تمساح حزين و كئيب مع سيدة من زمن مضى. زوج لا ينفصل يجمعهما اتفاق غامض لم يحطّمه الموت.

مونوكروم الألفية الجديدة (2): ثلاثة أفلام أوروبية


Les amants réguliers (2005)

"هؤلاء الذين يصنعون نصف ثورة، لا يصنعون شيئا سوى حفر قبرهم"

المخرج الفرنسي فليب جاريل/ Philippe Garrel، الذي صنع في العشرين من عمره فيلما (فُقد حاليا) عن باريس أثناء تظاهرات مايو 1968 الشهيرة، يعاود زيارة تلك الفترة في تجربة سينمائية ملحمية وحميمية.
تتمحور القصة حول علاقة الحب بين فرانسوا، وهو شاعر في عشرينياته يقوم بدوره لويس جاريل (ابن المخرج (لعب دورا مشابها ولكن أقل أصالة في "The Dreamers" لبرتولوتشي) وليلي (الرقيقة كلوتيد هيسم/ Clotilde Hesme)، نحّاتة شابة من أبناء الطبقة العاملة. علاقة مؤطّرة بالانهزامية السياسية وروح التخلّي، ينتقدها المخرج بالاشارة إلى إدمان بطله للأفيون. يضع جاريل خلاصة أربعة عقود من الأفكار والتجارب السينمائية في دراما رمزية بقدر واقعيتها. يؤفلم الثورة/الانتفاضة الشبابية بتجريد مسرحي مبسّط محوّلا إياها إلى حلم يقظة مستعاد. هنا "مايو 68" ولكن بدون سياسة: تدفق للرغبات الشابّة، وتوق إلى يوتوبيا حسّية على الأرض وبالطبع مثل تلك الأحلام تأتي إلى نهايتها في لحظة ما.
على الرغم من استجلابه لفردوس معاش في لحظات عابرة (مثلا، عندما يتابع فرانسوا وريد نابض في عنق ليلي أثناء نومها)، فإن جاريل يؤكّد أن "العالم" الذي جاء بعد الثورة كان ينتمي إلى هؤلاء الناس العمليين بأقدام ثابتة على الأرض وليس الحالمين الذين يظنون أن القائهم زجاجات المولوتوف على أفراد الشرطة سيغيّر العالم ويجعله أفضل. لو أن شخصا آخر قال ذلك الكلام غير المخرج الراديكالي المولع بالجماليات، ربما بدا رجعيا. ولكن ما يجعل جاريل يقول ذلك هو إدراكه الحزين المستخلص من النظر بأثر رجعي إلى ماضيه الخاص وأوهام الشباب وأحلامه الشاهقة.

صُوّر الفيلم بالأبيض والأسود الساحر من قبل مدير التصوير المخضرم ويليام لوبتشنكي/ William Lubtchansky. صور تتقطّر فيها ميلانكولية جاريل ونظرته التأمّلية والرومانتيكية التي تتماس مع تراث السينما الصامتة (كما ينعكس ذلك في مشهد عزف البيانو المنفرد). المسحة الرمادية المضافة للصورة تعطي الشعور ببرودة معدنية، وحين تقوم ليلي -في تحول براجماتي من جانبها- بتحدّي فرانسوا على المضي قدما واستكمال حياته، فإن برودة الواقع الصعب تصبح أكثر وحشية.
بخلاف الأفلام الزمانية (Period films) التي ينصبّ تركيزها على الأزياء والديكور وثرثرة شخصياتها التي تحاول توضيح المزاج الغالب على الفترة التاريخية التي يقدمها الفيلم، يقدّم جاريل ثورته الخاصة وشخصياتها كما عرفها: يقضون السنوات التالية في تغيير لاشيء تقريبا، يداومون على الانتشاء بالمخدرات والاستماع إلى الموسيقى، ثم يموتون. ما من أبهة هنا، فقط صور لشباب بوجوه مزيّتة ومليئة بالبثور، قمصان متعرّقة، وشعور مهوّشة ومرور الوقت البطيء الذي يأتي بالتردد والملل. في 178 دقيقة هي مدة زمن الفيلم، يقدّم جاريل- بأسلوب مينمالي خالص- خطابا حزينا ولا تنقصه النوستالجيا المربكة عن الحب في العشرين، ومحبة الأحلام المستحيلة.

Control (2007)

بيوغرافيا إيان كرتيس/ Ian Curtis المحتفى بها نقديا وجماهيريا وقت صدورها كواحدة من أفضل السير الموسيقية في السنوات الأخيرة، بتوقيع المخرج أنطون كوربجن/ Anton Corbijn في أولى تجاربه في الاخراج الروائي. قبل هذا الفيلم عمل كوربجن في اخراج الكليبات المصوّرة ولم تزل درّته هو الفيديو الطوطمي لأغنية أتموسفير لفريق Joy Division الغنائي، وهو عبارة عن نشيد بصري مصنوع بمزاجية واضحة وتم تسجيله بعد وفاة إيان كرتيس، المغني الرئيسي للفريق (Lead Vocalist)،  بثمان سنوات.

الانفتاح الجميل لموسيقى الفريق الغنائي شكّل الموسيقى التصويرية لكثير من دروب المراهقة المضطربة للشباب الانجليزي، وأفلمة قصة الفريق كان متوّقعا تماما. ولكن هذا التوقّع تحوّل في بعض الدوائر إلى حالة من الخوف لأن قصة الفريق المانشستراوي ورحيل مغنيها الرئيسي خلقا واحدة من أكبر الأساطير في المشهد الموسيقى الانجليزي. فكورتيس كتب وغنّى كلماته التي تشبّعت بتفاصيل حياته الشخصية ومات في الثالثة والعشرين من عمره، ومنذ ذلك الحين تمّ ترسيم صورة "كولتيّة" cult له كبطل مات ميتة مآساوية في سبيل فنه.

يعود إذا كوربجن إلى كرتيس، وينجز فيلما عنه لا يسعي فيه لأسطرة المغنّي الذي لعب سام رايلي/ Sam Riley دوره بالغموض المناسب لحياة متأرجحة بين أضواء الشهرة وثنايا الذات. كورتيس تتم رؤيته كمجرد طفل آخر يحب أن يدخّن في غرفته، يستلقي بملابسه الداخلية، ويتصفّح الموسيقى التي تتحدث الي مراهقته وسخطها المعتاد. سامنثا مورتون/ Samantha Morton هي زوجته الشابة ديبورا، التي تستقيل من حياتها لتجفف ملابسه الداخلية منذ أصبح المغني الرئيسي لجوي ديفيجن.
سام رايلي استطاع أن يصل لجوهر شخصية المغني، وأدائه "الكهربي" أعطي مصداقية لفكرة أن كورتيس كان يغرق عميقا في كل مرة يعتلى فيها خشبة المسرح. هذا الممثل الشاب يظهر الأيام الأخيرة لكورتيس وكأنها جلسة لطرد الأرواح الشريرة، والمخرج بدوره يبدو مؤيدا لنظرية أن ندم كورتيس على زواجه بديبورا في سن صغيرة كان مصدر شغفه الوحيد.


الفيلم مستوحى من كتاب ديبورا كورتيس "لمس من مسافة بعيدة". استخدام مذكرات الشخص الأقرب لايان كورتيس كأساس للفيلم سمح للقصة بحسّ من المصداقية غالبا ما غاب عن السير الموسيقية لفرق أخرى. تصوير كورتيس في الكتاب ليس كواحد من آلهة الروك، ولكن شاب مع مشاكل داخلية ونوبات صرع وصعوبات بفعل المخاوف المالية ومهنة تأفل بينما تبدأ في الازدهار. والنتيجة النهائية خليط حزين وقبيح من حياة مربكة ومُعبّر عنها بصراحة.
هناك متواليات تبدو كما لوكانت أطول من اللازم أو أقل ثقلا وأهمية في اقتراحها للحظات ستصبح مصدرا لأغنية لاحقة، ولكن تلك اللحظات لا تطغى أبدا، فالمخرج وكاتب السيناريو مات جرينهالج يتمكنان من الامساك بحسّ الفكاهة والعلاقة الرفاقية بين أعضاء الفريق. التمثيل جيد وتصوير الفريق جاء موفّقا وما يثير الاعجاب هو أداء الممثلين للأغاني بأنفسهم. ورغم الاشارة لسهولة لعب اغاني الفريق فإن أدائها بذلك الحماس والطاقة والاحساس التي حملها الممثلون لهو عمل رائع يضيف إلي مصداقية الفيلم. سامانثا مورتون قدّمت دورا هجينا من التعاطف والاقصاء والعزلة.. ولكن الأداء الفاصل على الارجح سيكون من نصيب توني كيبيل Toby Kebbell الجمل الحوارية والهزل الصارح وأحيانا الرقيق محجوز لشخصيته بالتأكيد.
بصريا وموسيقيا هناك كثير من الصور الايقونية، لقطات من الحفلات حفل ولقاءات تليفزيونية تتوافق تماما مع أسلوب تصوير الفيلم بالأبيض والأسود. قام المخرج بعمل جيد حين تمكن من اعادة عرض تلك الصور والعروض كلقطات ثابتة ثم تربيطها في بعض الأحيان بسهولة تامة لنسج قصة حياة كورتيس بعد الزواج في ماكسفيلد.
الفيلم يستفيد من عيوبه كذلك؛ فأسوأ شيء يمكن حدوثه هو فيلم سطحي ومتوازن وبنهاية سعيدة. هناك شيئا ما بخصوص قصة الفريق وتراجيديا زواج كورتيس والتي يمكن تخيلها في فيلم من انتاج mtv بتبسيط مفرط وسنتمنتالية فاقعة، ولكن كوربجن في فيلمه الروائي الأول لديه نبرة محايدة تقريبا و الكثير من زوايا التصوير الواسعة التي تعيد إلي الأذهان عنوان كتاب ديبورا.

La morte rouge (2006)

عنوان الفيلم هو إسم مدينة كيبيكية متخيّلة في فيلم ""The Scarlet Claw واحد من سلسلة أفلام المحقق شارلوك هولمز، وهو الفيلم الذي يأتي على بال المخرج الأسباني فيكتور إيريس/ Victor Erice لاستدعائه كأول فيلم شاهده في السينما.
مستعيدا زيارته الأولى لإحدى دور السينما في سان سيباستيان حين كان يبلغ الخامسة من عمره، يستخدم إيريس كليبات مصوّرة وأخبار مؤرشفة ولقطات رقمية ليخلق تأملا رثائيا عن الخيال والواقع، التاريخ والذاكرة، الحياة والموت. بنبرة رقيقة ولكن مكثفة يقدّم نصف ساعة من المراسلة السينمائية الجليلة في تقصّيه لقوة السينما، ومعاناة أمة، ومسار الزمن المستمر والغير رؤوف بالمرة.

 فيما يمكن تسميته قصيد أو مقال بصري؛ يستكشف إيريس ذكرياته مع الفيلم والتاريخ المحيط به. يبدأ مع صالة السينما: بناية ضخمة بمسرح كبير كانت في السابق كازينو، حتى تمّ حظر القمار. يتحدث عن حالة "الأمة" الاسبانية: بلد لا يزال يتعافي من مصيبتي الحرب الأهلية والحرب العالمية الثانية، وكيف أن أهوال الواقع خدّرت الجمهور عن ويلات الشاشة. الأهم من ذلك كلّه يتحدث عن "بوتس": رجل البريد القاتل في الفيلم (يلعب دوره جيرالد هامر/ Gerald Hamer). لفترة طويلة بعد مشاهدته للفيلم، عاش فيكتور الشاب في خوف من سعاة البريد، خوف ساهمت تهكّمات أخته الكبرى المؤذية في تضخيمه. ولع إيريس بالشخصيات المتوحشة يعيدنا إلي "خلية النحل The Spirit of the Beehive " حيث يطارد فرانكشتاين الصغيرة والساحرة آنا تورنت/ Ana Torrent.
عمل رائع ينسج الذكريات والتاريخ وملاحظات شخصية ثاقبة عن قوة السينما والخبرة الجماعية، وحوش الطفولة، الصدمات والخيالات، بالاضافة لاحتشاده بصور ثابتة ولوحات بصرية بليغة بالأبيض والأسود مع موسيقى محبّبة من أرفو بارت/ Arvo Pärt. كل ذلك يجعلنا نتمنى لو أن فكتور إيريس صنع أفلاما أكثر.