2‏/8‏/2015

“Blackhat”: جاذبية الهروب إلى عالم جديد


ملحوظة: هذا المقال يحتوي على معلومات قد تفسد مشاهدة الفيلم (Spoilers)

الأكشن في عالم جديد شجاع
الإختراق أو القرصنة (Hacking) ليس موضوعا مهما لدى خبراء أمن المعلومات والمخترقين فقط ولكنه أيضا يشكّل صيدا لمنتجي الأفلام. العديد من الأفلام (وخصوصا الهوليودية) تناولت عمليات الاختراق والتجسس الإلكتروني ولكن أيا منها لم يكن بطموح وجماليات الفيلم الأخير للمخرج الأمريكي الكبير مايكل مان والذي يحمل إسم "Blackhat".
يبدو"بلاك هات" متوافقا تماما مع اللحظة التاريخية التي نحياها، خصوصا وأنه يدور داخل عالم الجريمة الإلكترونية وبالتحديد الإرهاب الإلكتروني. وهو ما يتناسب مع الاعتداءات الأخيرة على شركة سوني وتصدُّر النتائج الفعلية لجرائم الإنترنت عناوين الأخبار خلال الأشهر الماضية. يتبع الفيلم نيك هاثواي (كريس هيمسورث/ Chris Hemsworth قرصان كمبيوتر أدين بارتكاب العديد من الجرائم الإلكترونية وحوكم بالسجن لمدة 15 عاما، يُسمح له بالخروج مؤقتا من السجن الفيدرالي للمشاركة في تحقيق بشأن سلسلة من الهجمات عبر الإنترنت. بعد اختراق محطة نووية صينية موجودة في هونج كونج وعملية تبادل سلع في شيكاغو؛ تقترح عميلة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (فيولا ديفيس Viola Davis/) العمل مع الصين للعثور على المجرمين الإلكترونيين. يتم تشكيل فريق عمل من الصينيين والأمريكيين (!) لانقاذ العالم من مخطط إرهابي لنشر الفوضي دون سبب واضح، وتبدأ مطاردة تلك الشبكة الارهابية من شيكاغو مرورا بلوس أنجلوس، ثم هونج كونج، وصولا إلى جاكرتا.
المشرف على التحقيق من الجانب الأمريكي هي فيولا ومن الجانب الصيني هناك الضابط تشين داوي (ليهون وانغ/ Leehom Wang) الذي كان زميلا سابقا لهاثواي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). بعد ضمّ هاثاوي إلى هذا الفريق، يقع في حب أخت صديقه، تشين لين (تانج وي/ Tang Wei) وهي مهندسة إلكترونية، فيما يعملون جميعا على تحديد الدوافع والأدلة التي تقودهم إلى شرير غامض يُدعى ساداك (يوريك فان واجنينجن).
قصة بسيطة ولكن تنفيذها على الشاشة تطلّب الكثير من العمل والبحث والشغف. قبل البدء بتصوير الفيلم كان مان قد أعجب بفيروس "ستاكسنت" وهو برنامج سري بالغ التعقيد ينشر الفوضى في أنظمة الكمبيوتر وكل ماهو مرتبط بها من آلات وأدوات مراقبة وضبط. يقول مان أن ذلك الفيروس "فتح عينه" على حقيقة أننا لا نعيش الحياة التي نظن أننا نحياها. وفي رحلة الاعداد للفيلم أجرى مان أبحاثا معمّقة حول الموضوع وقابل الكثيرين: مهندسو رقاقات الكمبيوتر، قراصنة تحولوا إلى خبراء أمنيين، خبراء متخصصون في مواجهة الخروقات الإلكترونية، ، عمال في قطاع الفولاذ، ومساجين في سجون خاضعة لحراسة مشددة.


  عبور الحدود

بعد نصف ساعة من بداية الفيلم تقوم تشين لين باخبار هاثواي، القرصان الالكتروني الذي ستقع في حبه، عن الاضطرار "لاتخاذ اختيارات بدهية" في "أكثر التيارات وعورة لاتخاذ القرار […]لا وقت انتقالي". إنها تصف بوضوح الحال التي وجد هاثاواي نفسه عليها، ولكنها قد تكون تصف حالة مُشاهد الفيلم كذلك.
نيك هاثواي شخصية يسمّيها مايكل مان "قرصان سوبر" (a superhacker)، شخص يمكنه بسلاسة العبور بين العالم الرقمي والعالم الحقيقي". بطل خارق (superhero) ذكي بما يكفي لاختراق الحسابات البنكية باستخدام هاتف نقّال، وقوي بما يمكّنه من التغلب على خمسة رجال يهاجمونه في نفس الوقت. يستطيع التأقلم مع أي وضع، إذا زجّ به في زنزانة فإنه يبدأ على الفور في التحايل على الوضع وخلق الفرص. هو أيضا مُثقّف ولديه من المعرفة ما يمكّنه من قراءة كتب فلاسفة ما بعد حداثيين مثل بوديار ودريدا وفوكو وليوتار، يتحدثون عن "تسليع الحياة اليومية" أو "التقنيات التاديبية للسلطة بما فيها المراقبة".
هل هاثواي إنسان كامل؟ ليس تماما، فهو يمتلك نقاط ضعف، وحتى أن البعض سيعتبره بطل ضد (anti-hero). في أحد المشاهد تخبره تشين لين أن يفتح عينيه حين تسيطر عليه نرجسيته في  تصريح عنتري مثل "لقد قمت بالجريمة. أقضي الوقت وليس الوقت ما يقضيني." يبدو وقعه على الأذن لطيفا ولكنه شكل آخر من أشكال السجن. "أنت تتحدث كما لو كنت ما زلت بالسجن. ولكنك لست في السجن". تقول تشين لين.
 "تحدس تشين أن هناك شيئا من رهاب الأماكن المفتوحة (agoraphobia) عند هاثواي من الفضاء المفتوح في المطار" يقول مان في حوار، "يزعجه ذلك. فهو ضائع وبدون بوصلة... لقد تمّ رسم صورته بدرجة أعظم مما يدركها. تشين لديها شعور حدسي تجاهه. هذا واحد من الاتصالات الغير محددة التي لدينا في الحياة."
 وما هو أول شيء يراه هاثواي حين يفتح عينيه؟
 كاميرا المراقبة التي تشاهدهم، أو كما يسمّيها مان "هيكل خارجي" (exoskeleton).
 "الأمر تقريبا كأن هناك نوعا من الهياكل الخارجية غير المرئية فوق الطبقة التي نعتقد أن حيواتنا تحدث فيها على كوكب الأرض، والتي يكون ]الهيكل[ بناؤه من الترابطية ((interconnectedness والبيانات ]...[ نحن نسبح في ذلك، وكل شيء يمكن اختراقه واتاحته والوصول إليه." يقول مان. الهيكل الخارجي غير مرئي وغير ملموس/مادي ولكي تصنع فيلما يتحدث عن ماهيّته وفقا لمايكل مان، فذلك "مثل سمكة تتحدث عن الماء الذي تسبح فيه". كذلك يقول مان أنه يفهم "ميكانيزمات الاختراق المتمثّلة في القدرة على التعامل مع شيء مجرّد مثل الأكواد لاحداث تأثير حركي (kinetic effect) في العالم الواقعي الفيزيائي. هناك وجه مخيف ودراماتيكي ومثالي في نظري في محاكاة انتقال الأشياء لتحقيق هدف ما. من المثير جدا الاطلاع على شفرة ما وما تحققه وكيفية تحطيمها الدفاعات".


المخترقون أبدًا لا يعالجون تلك الأصفار والآحاد (في النظام الرقمي للعدّ هناك رقمين فقط : صفر وواحد) بأنفسهم، بل يستخدمون شيئًا ماديًا مثل لوحة المفاتيح لكتابة رمز غير مادي، مجرّد، للتعامل مع تجريدات أخرى من خلال تيارات كهربية مادية. المخرج السينمائي أيضًا يتعامل مع أشياء مادية/ملموسة وأخري غير مادية/ملموسة: قصة/فكرة غير مادية يتم تصويرها بكاميرات رقمية (مادية) ولكنها تتعامل من خلال الأصفار والآحاد. وكما المخترق، يتمنّى المخرج إحداث تأثير حركي ومادي على الجمهور من خلال تداعيات غير مادية. شيء يذكّرنا بجيمس جويس/ James Joyce في "صورة للفنان في شبابه" حين يقول " الصوت والشكل واللون هي بوابات سجن أرواحنا."
يتشابك الملموس والغير ملموس في الفيلم حتى يكاد ينمحى الحدّ الفاصل بينهما. الاتصالات البشرية لا يمكن تحديدها كمّيًا (unquantifiable) وبالتالي غير ملموسة (intangible)، ولكنها واحدة من أكثر الأشياء الملموسة التي نمتلكها في الحياة وسط تدفق رقمي لا ينتهي. جماليات"بلاك هات" تقدّم شعورًا مشابهًا وأشكال ومساحات ملموسة يجري اعدادها بطريقة تجعلها تبدو كما لو كانت تتلاشى في الهواء. ايقاع الفيلم ساحق لدرجة أن اللحظات المتفرّدة، الصوّر، الشخصيات كلّها تفقد أهميتها، وما يبقى هو شعور شجاع بالضعف من دون أرض ثابتة يمكن الوقوف عليها. ليس صدفة أن الاسم المستعار لهاثواي في الفيلم هو "رجل شبح" (ghostman)، ذلك يصف رغبته -غير القابلة للتحقّق- في أن يصبح وجودًا لا ماديًا غير قابل للمراقبة. نستطيع أيضًا أن نسمّي الفيلم نفسه شبحا، شبحا ملموسا.
واحدة من الدلائل على كيفية تحقيق مان لذلك الاحساس اللا مادي (immaterial) يمكن ايجاده في لقطات المايكنج: يصوّر مان مشاهد عديدة بثلاث كاميرات وربما أكثر. هناك فرصة قليلة للاعتقاد بأنه يعتني بتكوين الكادر لكلّ كاميرا منهم. الأرجح، أنه اعتقد في امكانية تحقيق نوع مختلف من الجماليات بصورة "تميل للشحوب والوعورة " من خلال استخدام تلك اللقطات والصور "الخام". نعلم أيضا من أحد الحوارات مع مدير إنتاج الفيلم استخدامه 5 كاميرات مختلفة بحسّاسات وترميزات وحتى معدلات إطار مختلفة.
دليل آخر يكمن في "مزج الصوت غير المكتمل" واستياء هاري جورج ويليامز، واحد من 4 موسيقيين ألّفوا موسيقى الفيلم، من أن عمله لم يستخدم بشكل كاف. يقول مان "عملت مع عدد مختلف من الموسيقيين في هذا الفيلم لأنني أردت أشياء مختلفة من أناس مختلفين. لقد كان الأمر أشبه باختيار الممثلين للأدوار. الفيلم مغامرة سردية والقصة تتغيّر جذريا 3 مرّات، لذا هناك حالات شعورية مختلفة جدا وذلك يتطلّب تغييرًا في الموسيقى. لذا أتيكوس روس صنع شيئا، وهاري ويليامز صنع شيئا آخر، ريان آمون صنع شيئا آخر بدوره ثم هناك مايك دين الذي صنع شيئا آخر." الاحساس بكل ذلك الميلودي المتغيّر بتغيّر المواقف سيكون محبطا للكثيرين وغريب نوعا ما، ولكن في الأثناء فإنه جميل وفعّال في نقل ما يريده المخرج لتجربة المشاهدة بشكل ملموس.
على الجانب الآخر، واحد من مضادّات ذلك الشعور باللا مادية هو دموية وفيزيائية الفيلم: في الأخير نحن نتحدث عن فيلم أكشن وكل شيء يدخل الأجساد، سواء كان ذلك رصاصة أو مفكّ، يتم التركيز عليه.
 كاميرا مان تبقى على مقربة من ترانج بينما يموت، لذا بركة الدماء تأخذ حيزا معتبرا من الشاشة. في النهاية هاثواي يطعن ساداك (زعيم الإرهابيين) حوالي 12 مرة في صدره في تتابع هستيري. وبغض النظر عن المدى الذي يمكن أن يحملنا إليه خيالنا وتجريداتنا، فنحن لا يمكننا ترك ذلك الشيء الملموس والهشّ الذي نسميه الجسد. كما قال ويليام بتلر يتس"الروح تصفّق بيديها وتغنّي، ويعلو الغناء/ لكل خرقة في لباسها الفاني". وما أكثر الفانين في "بلاك هات"! كل واحد نعرفه عن قرب (باستثناء اثنين) تم قتلهم قبل نهاية الفيلم ولم تكن أية واحدة من تلك الميتات سهلة على الإطلاق.
في مشهد موت فيولا مثلا. ننظر في عينيها عن كثب ثم يتم القطع على ناطحة سحاب نفترض أنها تنظر إليها/تبحث عنها.  ناطحة السحاب تبدو كالقبر، والذي بدوره ليس سوى شيء يجعل الملموس غير ملموسا. القبر هنا يكتسي شيئا من الروحية والسريالية، يصبح طوطميا تقريبا. ولكنه يذكّرنا بالبناية التي قُضي فيها زوجها (11 سبتمبر) والتي تكلمت عنها فيولا قبل دقائق في محادثتها مع العميل جيسوب، آخراتصال إنساني ملموس سيحظى به كلاهما.

بحثا عن إنسانية مفقودة
في الفيلم، هناك تركيز خاص على التفاعلات بين الناس قبل الموت غير المتوقع وغير المرحب به. ولعل المثال الأبرز هو تلويحة تشين لين الأخيرة لأخيها تشين داوي علامة على المصالحة التي أتت في الوقت المناسب تماما، قبل ثوانٍ من انفجار سيارته وهو بداخلها. أو مأساوية اللقطة المقرّبة لمفاتيح السيارة التي تلقيها تشين لاين لأخيها في مشهد سابق.
واحد من مشاهدي المفضلة في الفيلم هو أحد تفاعلات ما قبل الموت هذه. في إحدى الحدائق بهونج كونج، يتناول هاثواي هاتف الضابط الصيني ترانج ويضبط أداة البلوتوث ليقوم بعمل ما. حين ينتهي،  يعيد الهاتف بالقاؤه في الهواء من مسافة بضعة امتار إلى ترانج الذي يلتقطه. منذ تلك اللحظة الكاشفة، نستطيع الاستنتاج بأن هاثواي يعلم عن ترانج ما يجعله واثقا فيه من ناحية، وأنه يستطيع التقاط الهاتف من ناحية أخرى. لا نعلم ما الذي تشاركاه في المدة القصيرة التي قضاها هاثواي في هونج كونج ولكن يبدو أنها كانت كافية. هذا الاتصال الانساني هو ما يجعل هاثواي غاضبا جدا حين يُقتل ترانج. هناك حاجة مُلحّة لتلك التجارب المشتركة في الفيلم، لأن الموت دائما في الجوار.
 تماما كما هو حال الخط الفاصل بين بين مادية ولا مادية الفيلم، فإنه ينبني على العديد من الثنائيات المموّهة. يتحدّث الناقد الأمريكي بيلج إيبيري عن "الرقص" بين الواقعية المفرطة والتجريدية المفرطة (hyperrealism and hyperabstraction). وتكتب مانولا دارجيس مقالا بليغا في "نيويورك تايمز" تدافع فيه عن الفيلم مشيرة إلى "تذبذب مان بين الأكشن والتأمل، التحوّل والجمود، العوالم الداخلية والخارجية" وتذكر أن الفيلم "بتنقّله بين الوحشية والسنتمنتالية، الجمال والرهبة، يصبح خطيرا كقبر وباعثا على المتعة بطريقة غير مفهومة".

يمكن أن نتحدث بالتفصيل عن كل ذلك ولكن ربما يكون الأهم هو توضيح مدى ضبابية الخط الفاصل بين الخير والشرّ. فبينما يهتمّ هاثواي وتشين بأحبّتهم ويتعاطفا مع الناس/الحيوانات التي ستغرق قراهم، فإن ساداك يعلن ببرود بعد مقتل حليفه المقرّب على كسّار: "كثير من الناس يموتون على هذا الكوكب كلّ يوم. ماذا تريدني أن أفعل؟ أحزن؟ لأنني أعرفه؟ هو لم يعد هنا. أين أموالي؟"
  ولكن من الصحيح أيضا أن أفضل شخص يصف هاثواي ليس سوى خصمه حين يقول: "أحيانا أستيقظ في الصباح ولا أعرف من أنا، أو أين أنا، في أي بلد". كل واحد منهما مرآة الآخر وهو الأمر الذي يلمّح إليه عنوان الفيلم: من منهما هو الـ"بلاك هات" المحدد؟
في أية حال، كلاهما يتصرّف بحسّ بدائي.  فليس من قبيل المصادفة أن يكتشف هاثواي دافع ساداك لاغراق مناجم قصدير فور وفاة صديقه تشين داواي. عند تلك النقطة هو يحارب ضد الشرّ (أو اللا مبالاة إذا أردت) ويخطط للانتقام لمقتل صديقه، وفيولا وجيسوب وترانج.. إلخ الذين أصبحوا قبيلته (قبيلة دولية ولكنها تظل قبيلة). هذا يبيّن جزئيا سبب عدم اهتمامه ما إذا كانت المعركة الأخيرة ستحدث وسط احتفال ديني، حيث العابرين الأبرياء يمكن أن يودى بهم. هاثواي في مشيه ضد تيار المؤمنين يصبح كيانا مدفوعا برغبة بدائية وأصيلة (؟). لا يهدف إلى تسليم ساداك إلى العدالة والتي تصبح كلمة لا معنى لها في حالته، بل قتله والأخذ بالثأر. وذلك مثال واضح على التباين بين رغبته والطقوس الروحية لطرد الأرواح الشريرة التي يؤديها الناس من حوله كطريقة لطلب المغفرة والحفاظ على نظام الكون.

في الحقيقة أن نفس الدافع البدائي موجود منذ بداية الفيلم.
ما القرصنة سوى التسلّل إلى الفضاء السيبري لشخص آخر؟
 هل هذا هو السبب الذي جعل مان يشعر بالحاجة ليرينا التسلّل المادّي للتيّارات الكهربية والإشارات الإلكترونية من خلال تسلسل بصري منفّذ بذكاء بواسطة الكمبيوتر؟
 هل في عصر تحيط بنا "هياكل خارجية" تكنولوجية، تبقى فضاءاتنا الذاتية نفسها؟
هل هذا هو السبب وراء عدم شعور فيولا بالحاجة لاتباع القانون والنظام، فقط لأنها فقدت زوجها في 11 سبتمبر؟
ليس لأن مان معجب كبير بالقانون والنظام نفسه. هو قالها: "معظمنا يعيش حياته في كنف النظام القضائي الذي ولد فيه، الاقتصاد السياسي الذي ولد فيه. المجرم، بالتعريف الذاتي، هو خارج عن الأعراف والقيم المجتمعية." إذا هاثاواي وتشين لين بعد أن تخفّفا من جميع السلطات (القضائية والسياسية والشرطية)، امتلكا حريتهما بطريقة جديدة.
في أحد مشاهد النصف الأول من الفيلم، يخرج هاثواي من السجن وينظر إلى مساحة خالية من المطار. ربما يكون مان على حقّ في قوله أنه مصاب برهاب الأماكن المفتوحة، ولكن هناك إمكانية هروب أيضا، على صغرها. الكاميرا من ناحيتها تبقى فترة لتمنحنا الفرصة للسؤال: ماذا لو؟. ولكن يبدو ذلك مستحيلا، يخبره العملاء الفيدراليين أنه كي يتحرر من جهاز التتبع عليه أن يتبخّر في الهواء أولا. تخيُّلنا لهروب هاثواي المحتمل يصبح جزءا من تجربة الفيلم، وإحساس/فكرة الحرية التي تأتي معه يتم التعبير عنها بفضاء واسع مفتوح سيلازم المُشاهد طيلة الزمن الباقي من الفيلم. ربما ذلك هو السبب في أن لقطات السماء في أفلام مان تأتي قوية ودسمة.
قرب نهاية الفيلم بعد موت كل أصدقائهم، يقوم هاثواي بفصل جهاز التتبع والقاؤه على متن سفينة. تعود الكاميرا إلى مشهد موت فيولا وجيسوب حيث تنزل إلى الأرض بدون سبب واضح، ثم نكتشف هاتف جيسوب مع تطبيق المراقبة المفتوح الذي لا يزال يتبع حركة هاثواي. نرى نقطة خضراء (والتي من المفترض انها تشير إلى هاثواي) تبحر في المحيط. الصورة الشاعرية لهاثواي وتشين لين مبحرين في المحيط  تطفو في المخيلة رغم علمنا بأن ذلك ليس صحيحا.

هذا ليس فيلم أكشن فاشل ولكن تجريبي بميزانية كبيرة
ربما يجادل البعض بوجود ثغرات في حبكة الفيلم وقصته، وذلك مفهوم تماما في فيلم أكشن تجريبي بميزانية 80 مليون دولار. ما يهمّ في الأفلام الطليعية (avant-garde films) هو البناء وليس القصة. اشتهر مان باهتمامه بالأصالة وحبّه للتجريب ونتيجة هذا تؤدي هنا إلى شعور مزمن باللا مكانية، ليس فقط في التحولات الفجائية للموقع (موقع التصوير أو موقع الأحداث في الفيلم) ولكن في اللقطات المقربة بشكل مفرط. قبل 10 سنوات، حين بدأ مان العمل مع الديجيتال مستخدما كاميرات أقل وزنا ومتمتعا بالقدرة على التصوير بمستويات إضاءة منخفضة في "The Collateral" قال أنه "بالنسبة لي الفيديو الرقمي يقترن بالرسم التصويري الواقعي (photorealist painting)" ]هنا تجبّ الإشارة إلى أن زوجة مان رسّامة.[ يتضمن ذلك التصريح الفكرة القائلة بأن الفيديو وسيط مختلف كلّية عن الشريط السينمائي (celluloid)، ولذا كان لابد من إبتكار لغة بصرية جديدة. في " Miami Vice" و" Public Enemies" والآن في " Blackhat"، يبدو مان باحثا عن القصص والشخصيات التي يمكن أن تتلائم فقط مع تلك اللغة، ينظم السرد في كتل ممكنة من المشاعر ويعرض الناس كعقد (nodes) في شبكات المعلومات.
يبدأ "بلاك هات" بمنظر واسع لكوكب الأرض من الفضاء ثم تذهب الكاميرا إلى داخل رقاقة إلكترونية دقيقة ويتبع ذلك "رحلة مذهلة عبر العالم المجهري للإشارات الإلكترونية التي تنتقل عبر الشبكة، مجتازة الكوكب كما لو أنها موجات غازية من المعلومات". ينتظر المُشاهد حتى المشهد الثاني أو الثالث كي يسمع أول جملة حوارية. ثم عليه أن ينتظر فترة أطول قبل أن يقابل أيا من شخصيات الفيلم الرئيسية. البشر، على الأقل كما ننظر لهم عادة في الأفلام الروائية، لا يأتون بذلك الترتيب وهو الأمر الذي يمهّد لبقية الفيلم.
يقترح الفيلم أنه في عالم نظم المعلومات، فإن الشواغل الأساسية إما أكبر بكثير أو أصغير بكثير من البشر. في الحقيقة يبدو أن هذا العالم لا يحتاجهم من الأساس. يمكننا التذكير بفيلم " L'Eclisse" للإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني/  Michelangelo Antonioniإحدى كلاسيكيات السرد السينمائي التجريبي، حيث ينتهي الفيلم بمتتالية تمتد لـ 7 دقائق تعيد النظر في مواقع الفيلم الرئيسية ولكن تعرض أغلبها خالية من البشر، كناية عن انتفاء الإحساس الإنساني في الحياة الحديثة، أيضا حين يمرّ "بلاك هات" سريعا على "هيئة شيكاغو للتجارة" وقاعة التداول التي يعرضها ككائن واحد يشبه إلى حد كبير عرض أنطونيوني لأرضية بورصة روما.
في أفلام مان الأخيرة، غياب ذلك الشعور ليس شيئا يستدعي النحيب، ولكنه ببساطة يوضّح عصرنا، عصر الوفرة التكنولوجية. في " Public Enemies" يذهب إلى الثلاثينيات ويقوم باسقاط الوضع الحالي على تلك الفترة وكأنه يقول أن الماضي حتى ليس في مأمن من مطالب الحاضر. هذا لا يعني أن مان يقبل الأمور على ما هي عليه، فمزيجه الصوتي والبصري يقدّم سعيا لاستخدام التكنولوجيا اللا انسانية كأدوات لانجاز فنّ تجريدي.
الجمال فكرة شخصية، خصوصا حين يتعلّق الأمر بأشكال مجرّدة. وتلك هي الثيمة الأساسية لأغلب فن الفيديو التجريبي وأعتقد أنها أيضا ثيمة "بلاك هات". لماذا يواصل مايكل مان إخراج وإنتاج أفلام أكشن بميزانيات كبيرة إذا كانت إهتماماته غامضة جدا؟ أعتقد أن إجابة ذلك السؤال تكمن في أن النوع الفني نفسه يعطيه الكثير ليعمل ضدّه.



الفيلم: Blackhat
إخراج: Michael Mann
إنتاج: 2015

نُشر في موقع التقرير 1, 2

28‏/7‏/2015

" Mr. Turner": صورة للفنان في كهولته




"كل فيلم من أفلامي هو رحلة إستكشافية نحو موضوعه"
- مايك لي

الفنان البريطاني جوزيف مالورد ويليام تيرنر /J.M.W. Turner (1775- 1851م) عُرف بلقب "رسّام الضوء" لاشتهاره برسومات الطبيعة وخاصة البحرية منها، أما المخرج الإنجليزي مايك لي/ Mike Leigh -على النقيض من ذلك- يمكن اعتباره أستاذ البورتريه. واحدة من أهم مهارات لي هو قدرته على استخراج أداءات استثنائية من ممثليه، وذلك عن طريق أسلوبه الخاص في الإخراج الذي يعتمد على تحاشي السيناريوهات المكتملة لصالح فترات مكثفة من الارتجال والبروفات لتطوير الشخصيات والمشاهد، وتلك الطريقة كانت وراء العديد من الدراسات الشخصية بأبعاد إنسانية وسيكيولوجية عميقة. على سبيل المثال ديفيد ثويليس في دور جوني "Naked, 1993"، إيملدا ستونتون في دور فيرا " Vera Drake, 2004" سالي هاوكينز في دور بوبي " Happy-Go-Lucky, 2008" والآن تيموثي سبال/ Timothy Spall في دور مستر تيرنر. طريقة خاصة جداً يعتمد فيها المخرج بشكل كبير على احترافية الممثلين ومشاركتهم الكاملة في العمل، لكن من يشاهد أفلام لي لا يشعر بهذا، ومن يشاهد فيلم السيد تيرنر تحديداً لا يتوقع أبداً أن يكون هذا العمل قد تم تنفيذه بهذه الطريقة، فالعمل يبدو مدروساً بكل تفاصيله، ولذلك فهو كثيراً ما يعمل مع ممثلين سبق له التعامل معهم ويفهمون أسلوبه تماماً ومنهم تيموثي سبال الذي سبق أن عمل تحت إدارته في فيلمي  "Secrets & Lies, 1996" و "All or Nothing, 2002".
لم يكن مايك لي في أفلامه السابقة يركّز على شخصية معينة، فقد كانت أعماله تحفل بالعديد من الشخصيات، البسيطة منها خاصة، وكانت تبدو في كامل بساطتها وعفويتها مُعبّرة عن الحياة البريطانية وصعوبات الحياة فيها دون بهرجة أو إبهار كعادة هوليوود التي يكرهها مايك لي ويرفض التعامل معها أو أياً من نجومها. نفس هذه الوجوه موجودة في هذا الفيلم أيضاً، وهو بهذا الشكل بعيد عن تلك الأفلام التاريخية التي تحمل شكلاً خاصاً وألقاً في أزيائها وديكوراتها وأشكال النساء فيها. هنا يحتفظ مايك لي بطريقته المعتادة ليعبر عن هذه المرحلة التاريخية تاركاً لنا بصمته، ويحسب له أن "مستر تيرنر" ليس كسائر السير الذاتية السينمائية التي تستعرض تعقيدات الوجود الإنساني من خلال سرد تقليدي وعلاقات رزينة يتم تقييمها من خلال اصطلاحات لطيفة عن الدقة والأمانة التاريخية وإمكانية الاحتمالات، فعلى الرغم من انغماس الفيلم في التفاصيل السِيريّة فإنه ليس متقيّدا بالسعي المستحيل لتقديم الحقيقة وبدلا من ذلك ينحو منحى شاعرياً ليرسم انطباعاً معيشاً عن ذلك الكائن الفاني وراء الأعمال الخالدة.

البورتريه الذي يرسمه المخرج للرسام الرومانسي ليس ساحراً بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فالتناقض بين الفنان وفنّه يشكلّ واحداً من الثيمات الرئيسية في الفيلم. من اللقطة الأولى التي تضع المشاهد في هولندا لمتابعة زوج نسائي بملابس تقليدية تتحدثان بالهولندية أثناء جولة مشي بمحاذاة النهر وقت غروب الشمس. للحظة قد يتوهّم المشاهد أنه يشاهد الفيلم الخطأ قبل أن تتحرك الكاميرا لأعلى الكادر وتلتقط ذلك الرجل المعتمر قبعة وهو يرسم مشهد الطاحونة البعيدة، الأول من عديد من المشاهد التي تصوّر عزلة تيرنر وسط المناظر الطبيعية الجليلة. بالعودة إلى منزله بلندن، بالكاد يعير تيرنر الاهتمام باسئلة مدبرة منزله هانا دانبي (دوروثي أتكينسون Dorothy Atkinson) مكتفياً بأصوات ناخرة (لن نلبث أن نعتادها طيلة الفيلم). بعد ذلك يتلّمس صدرها وتغادر الغرفة. منظره الخنزيري وسلوكه الخشن يحطمان أي أوهام تنقلها لنا الرؤية المبجّلة  للفنان في مشهد المنظر الطبيعي السابق. عالمان متقابلان يمزجهما المخرج ببراعة: واقع تورنر الجاف بقسوته المجرّدة والحياة التي يبثّها في لوحاته عبر لغة سينمائية مذهلة بجماليتها البصرية ومشاهد الطبيعة التي يصورها بالتدرّجات المختلفة للّون والضوء. وجدير بالذكر أنّ ديك بوب/ Dick Pope مدير تصوير الفيلم حاز عنه جائزة خاصة من لجنة التحكيم في «مهرجان كان السينمائي» (2014).

يتطوّر الفيلم مع فترة تقارب الربع قرن الأخير من حياة تيرنر التي يغطّيها، وكذلك شخصية تيرنر، مع اكتشاف تدريجي لخصائص تعويضية عن صورة نمطية قد تتكوّن لدى المشاهد عن الرسّام بتعابير وجهه المتشنّجة وطبعه الحاد الذي لا يخلو من الفظاظة. نكتشف الفضول الفكري النهم، حسّ الفكاهة الفظّ، وهشاشة عاطفية واضحة على ظهوراتها النادرة. تيرنر -الذي نادراً ما اهتم برسم البشر- يحتفظ بالدفء والرعاية لقلة قليلة من الناس: أبيه، الذي يؤثّر موته عليه بشكل كبير، ولاحقاً السيدة بوث (لعبت دورها رفيقة المخرج ماريون بايلي/ Marion Bailey) والتي يشاركها علاقة طيبة خصوصاً في أيامه الأخيرة. مع ذلك قسوته تجاه النساء الأخريات في حياته لا تزال سقطته الرئيسية: واضحة جداً مع هانا التي يستغلها جنسياً ولايمنحها الوقت الكثير، وعشيقته السابقة سارة (أم لابنتين غير شرعيتين والتي تحمل الكثير ضده) عائلة مهملة يبدو أنه لا يحمل تجاهها سوى اللامبالاة. يعبر سبال عن إدراك تيرنر لأوجه قصوره من خلال مجموعة من الإيماءات الصغيرة والتعبيرات والأصوات الحلقية التي تكشف عن غضبه ومشاعره التي يتعاطى معها بالإنغماس التام في عمله.

تقول ويكيبيديا أن ويليام تيرنر رسام رومانتيكي عاش في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، ولد في لندن لأسرة فقيرة مكونة من أب يعمل في الحلاقة وصناعة الشعور المستعارة، وأم أصابها الجنون ثم انتقلت لاحدى المستشفيات حيث توفيت في النهاية. وتعتبر أعمال تيرنر مقدمة رومانسية للفن الانطباعي واعتبرت –في زمنها- من الأعمال التجريدية قبل ظهور هذا المسمى في بدايات القرن العشرين. يطلعنا الفيلم على علاقته بالبيئة الفنية في إنجلترا الفيكتورية من خلال بعض أقطابها البارزين من كونستابل الى هايدن وصولاً الى جون راسكن، ويمرّ كذلك على العلاقة بين الفنانين والسلطة وطبقة الصناعيين الصاعدة. ويقدّمه كمدرسة فنّية بذاته أثارت الفضول في عصره، فنّان خاض معركته الجمالية مع معاصريه ولم يتراجع رغم النقد العنيف الذي واجهته به المدارس التقليدية والطبقة الأرستقراطية. حاول التحرّر من هيمنة المدرسة الإنطباعية وسعى لتوثيق مشاعره بلعابه وعرق أبيه، يذوّب التفاصيل لخلق عالم سرابي، يتجاوز المرئيات ليصل إلى الأسباب الأولى ورائها. عالمه جحيمي لكن يمتلك نوره الداخلي كما في  لوحته «هنبعل يعبر جبال الألب» (1812). يواكب ذلك كلّه موسيقى جاري يرشون/ Gary Yershon بتواتراتها القلقة المتناغمة مع السكون المزخوم المسيطر على إيقاع الفيلم ويشبه هدوء الطبيعة ووحشيتها التي نلمسها في أعمال تيرنر. يضعنا الفيلم كذلك على تماسّ مع الحداثة من خلال نظرة تيرنر الفضولية والمتهكّمة والمتواطئة؛ هو الذي تميزّ بحساسيته لمجريات عصره واستشرافه لدور الفن في عصر جديد. يبدو ذلك واضحاً من خلال تعاطيه مع ظواهر حرّكت مخيّلته كالقطار البخاري المندفع في الريف الإنجليزي حتى أن طبيبه المعالج  قال له " لم يعد بوسعي ركوب القطار دون أن أذكر لوحاتك عن السكك الحديدية، وتحويلك لكامل المشهد لبخار عادم، والرجال الذين يحترقون بينما يحرقون الفحم في مراجل تلك القطارات."

لقد أدرك المخرج التحدّي في تناول شخصية مثل تيرنر وتجسيدها سينمائياً حيث أمضى عامين في الإعداد للفيلم و كتابة السيناريو وقضى ساعات في حجرة الرسوم بمتحف التيت بريتين/ Tate Britain لدراسة رسوم تيرنر ومخطوطاته وكل ما كتب عنه كي يخرج بما وصفه بالـ "المعنى العميق، والسامي، والروحاني، والجمال الملحمي والدراما المرعبة التي تتلّخص فينا نحن الأحياء على سطح كوكبنا الأرض". بالتناقض مع المشاهد المعتمة داخل بيت تيرنر، يجسّد المخرج رؤية تيرنر الفنية من خلال لوحاته المستحمّة في الضوء ليصوّر عبرها عالم الفنان الباطني. يضفر لي أعمال الرسّام في نسيج فيلمه، بحيث يكون المتفرّج شاهداً على عملية الابداع والانتاج وتناولاته المختلفة. نتابع لحظات الإلهام كما في المشهد الإفتتاحي، وفي مشاهد تالية يمكن التعرّف فيها على مصادر لوحات الرسّام المتأخرة: في لفتة رومانتيكية، يطلب تيرنر من قبطان السفينة ربطه في قمة الصارى أثناء عاصفة ثلجية فيما سيصبح لاحقاً لوحة « Snow Storm – Steam-Boat off a Harbour’s Mouth » (1842)، يفتن بالأعجوبة الحديثة، القطار البخاري، ويستلهم منها « Rail, Steam and Speed – The Great Western Railway » (1844). والأكثر إثارة للإنتباه ربما هو إعادة تمثيل لوحة «المقاتلة تمارير/ Fighting Temeraire » التي لاحظها تيرنر مع مجموعة من الفنانين الأصدقاء أسفل نهر التايمز،التي تأتي إلى الفيلم بغروب رقمي مضاف يبدو أقرب لجماليات " Life of Pi " للمخرج أنج لي أكثر من إتصاله بمايك لي الذي لم يتعوّد متابعوه لجوءه إلى تكنيك الصور المنشأة بالحاسوب أو ما يصطلح عليه إنجليزياً " CGI-rendition ". في مشاهد عديدة نلاحظ التركيز على "الجزء القذر" من العمل الفني نفسه حيث نشاهد نشاط تيرنر في الإضافات الغريبة لرسوماته في مرسمه الخاص، أو قيامه بعروض أدائية في الأكاديمية الملكية كأن يبصق أو ينفخ جزيئات الغبار البنية على لوحته أو يبقّع لوحة بحرية رقيقة بطلاء أحمر. ويطلّع المشاهد على إستقبال "الجمهور" لأعمال تيرنر: معاصريه من الفنانين والنقاد وحتى الملكة فكتوريا التي تتباكي على تخلّيه الكامل عن الشكل بينما يستمع إليها رابضاً في مكانٍ خفي.


يحتلّ تيرنر الآن مكانة مرموقة بين التشكيليين العالميين وبلغت أسعار لوحاته أرقاما قياسية مؤخراً، مثل لوحته المسماة «روما من جبل أفنتين» وشقيقتها الأشهر «روما الحديثة ــ كامبو فاسينو» التي بيعت بمبلغ ثلاثين مليون جنيه استرليني، وهو أعلى سعر للوحة فنية من نتاج ما قبل القرن العشرين. مفارقة سيدرك المشاهد قيمتها حين يشاهد الفيلم وذلك المشهد لرجل الأعمال الذي يعرض على تيرنر شراء كامل أعماله بما فيها التخطيطات، مقابل 100 ألف جنيها استرلينيا، و بلا تردد رفض تيرنر ذلك العرض المغري يومها قائلاً: " أعمالي ليست للبيع، فأنا أتركها للشعب البريطاني كي تعرض كاملة ومجاناً" ليرد المليونير مستنكراً: " وماذا سيعطيك الشعب البريطاني مقابل ذلك؟" فيرد الفنّان ببساطة: " لا شيء".
هنا يجب الإشارة إلى مشابهة دالة ومهمة بين المخرج وموضوعه: كلاهما جاء من مجتمع الطبقة العاملة ولكن تفاعلا -أو تورطا- مع الطبقة العليا، عملا في شبه عزلة وبعيدا عن الأضواء الباهرة، وفي الفترة المتأخرة من حياتهما تم اعتبارهما من الكنوز الوطنية البريطانية. و"مستر تيرنر" بالتأكيد من بين أفضل أعمال لي؛ بمعالجته الأصيلة والمقنعة لحياة "رجل قصير، شحيم، مضحك المظهر تصادف أن يكون عبقرياً" كما وصفه تيموثي سبال.

هامش عن تيموثي سبال


مساحة كبيرة احتلها سبال بجدارة في تصويره لأقنعة الفنان في تجوالاته بحثاً عن مواضيعه ومقتفياً أثر شغفه بالضوء. فقد كان في حالات كثيرة يصدر أصواتاً تعبر عن انفعال مكبوت، معطياً الايحاء للمُشاهد بأن هناك شيئا ما يحدث في داخله، كما في المشاهد التي تلت وفاة والده التي كان واضحاً فيها تأثّره من دون كلام أو مساعدة من المخرج بلقطات قريبة سوى أداء رفيع من الممثل نفسه. في الفيلم لم يلجأ المخرج كثيراً للّقطات القريبة، حيث هدف إلى وضعنا في سياق الحياة التي عاشها تيرنر بشكل كامل فجاءت الكاميرا دائماً على مسافة من الشخصيات وفي حالة ترقّب أو تأمّل؛ ترصد تحرّكات الشخصيات داخل المشهد وتفاعلها بصمت فيما بينها. وتطلّب أداء شخصية تيرنر الكثير من سبال لإيضاح مشاعره الكامنة في مواقف مختلفة من خلال آدائه. وقد ذكر سبال بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل في «مهرجان كان السينمائي» في دورته السادسة والستين عن هذا العمل، أن الفيلم قد بدأ التفكير به بشكل جاد منذ ثلاث سنوات ولذلك فقد تدرّب على الرسم لمدة سنتين بطلب من المخرج قبل البدء في تصويره رغم معاناته الصحية قبل سنوات من لوكيميا الدم.
 سبال الذي لا يعرفه الكثيرون؛ ربما يتذكر البعض دوره المميّز وأداءه "الطبيعي" في فيلم سابق لنفس المخرج، فاز منتصف التسعينات بسعفة كان الذهبية وأعني فيلم " Secrets & Lies, 1996". أو ربما أصحاب الذاكرة الأكثر حدة يستدعون دوره قبل خمس سنوات في الفيلم الأوسكاري " The King's Speech, 2010" حين ظهر لدقائق قليلة في دور السير وينستون تشرشل، ومع هذا فإن حضوره بدا طاغياً حتى أن ناقداً قال "من الآن فصاعداً لن يمكننا تخيّل تشرشل إلا تحت ملامح هذا الذي نسيت إسمه". والآن بعد أداء شاهق يعلو كل شيء بجانبه تماماً كلوحات تيرنر، تصدّر سلسلة من الانطباعات التي حين تُرى من الزاوية الصحيحة تولّد رؤية مذهلة، فإن سبال سيبقى طويلاً في الذاكرة، هو الذي يغنّي في الفيلم بلسان أناه الأخرى مرثية ديدو:
"تذكّرني تذكّرني
ولكن إنس مصيري"

الفيلم: Mr. Turner
المخرج: Mike Leigh
إنتاج: 2014


حوار المخرج مايك لي مع بي بي سي


"أكثر الأعوام عنفاً": يوتوبيا قذرة



العام هو 1981 والعنف الذى وصل لمعدل قياسي في نيويورك : أكثر من 120ألف ألف بلاغ سرقة و2100 حالة قتل ناهيك عن أزمة الإيدز التي على وشك أن تبدأ. The Warriors يعودون إلى كوني آيلاند منشغلين بتحويل قصتهم إلى لعبة فيديو، إمرأة تقلّم أظافرها في عربة مترو مغطاة بالجرافيتي، سوزان فيجا تقضي الكثير من الوقت في Monk's Diner وتحاول كتابة أغنية جديدة. عبر المدينة يحاول أبيل موراليس شراء أرض ميعاد من إحدى الجماعات اليهودية السرّية.

يعرف المخرج والسيناريست جي سي شاندور/ J.C. Chandor البيزنس الضخم والرجال الصغار الذين يصنعون طريق صعودهم كذلك. في مكان لا يبعد كثيراً عن وول ستريت فيلمه " Margin Call, 2011"، ولكن نفس الحمولة الأخلاقية نجدها في الفيلم الجديد. أوسكار إيزاك/ Oscar Isaac - الذي يستطيع تقمّص الثمانينيات كما فعل من قبل مع الستينيات (Inside Llewyn Davis, The Two Faces of January)- يلعب دور أبيل موراليس، مالك شركة ستاندرد أويل (شركة تدفئة في إزدهار سريع)، أندردوج (underdog ) يبلي بلاء حسناً ولا يحتاج نصيحة بالضرورة فهو قادر على إلقاء الحِكَم: "حينما يكون من المخيف أن تقفز، يُصبح من المحتّم عليك وفي تلك اللحظة بالضبط أن تقفز، وإلا فإنك تبقى في نهاية المطاف وطوال حياتك في المكان ذاته". موراليس رجل أعمال طموح، دبلوماسي، أنيق ببذلة مزدوجة الصدر ومعطف جملي اللون؛ وضع كل بيضاته في سلة واحدة لتأمين الاستقرار المالي لعمله، عائلته، وحلمه الأمريكي العظيم. على بعد بضعة أيام من إنجاز صفقة عمره بامتلاك محطة وقود كبيرة على ضفة نهر الشرق East River) ) والفضل يرجع لعقد استثنائي -يوافق عليه بثقة- في سبيل الحصول على ما يريده، الأمر الذي يثير حفيظة منافسيه ويتم اعتراض حاويات شركته وخطفها وسرقة بترولها. فرص اقتراضه البنكي تتضائل بسبب الخسائر واحتمالات التصعيد القضائي ضد شركته على خلفية تهرب ضريبي. أشهر الشتاء الطويل تبدأ وموراليس يواجه صعوبة دون الخنوع للجريمة المنظمة (عائلة زوجته التي لن يراها المشاهد أبداً).  زوجته ومحاسبته آنا (جيسكا تشستاين/ Jessica Chastain بتأنّق وفعالية)هي ابنة ذلك المافياوي الذي اشترى موراليس شركته، حين لا تكون مشغولة بسيجارتها أو منكبّة على سجلات الشركة مع آلتها الحسابية، فإنها تحث موراليس على الخوض في ممارسات تجارية خطرة. بعد محاولة فاشلة لاقتحام منزلهما تشتري مسدساً وتكون واحدة من ضمن آخرين ينصحون زوجها بتسليح أسطول سائقيه. تفقد تدريجياً هدوءها البارد وتكتسب الزخم اللازم لتقول "لن تحب أبداً ما سوف يحدث إذا دخلتُ في الموضوع". ليدي ماكبث حديثة لن تدع ليلة السبت تمرّ دون مفاجأة حين تنهي عذاب آيل جريح أمام سيارتهما برصاص مسدسها.

تلك المخاطر المتزايدة والتهديدات التي تلوح في الأفق، وضعت في سلسلة من المشاهد تبدأ بشخصية تقول "كما تعلم/ As you know "، ولكن قيادة المخرج للجو العام وسير فيلمه تعوّض بعضاً من هفوات نصّه، حيث يأخذ الفيلم فوراً نبرته المشدودة وثقله المتأني مع تزايد الترُقّب القلِق والانشغال بثيمة الأخلاق ومعناها وقوانينها الناظمة.

هذا فيلم كان من المفترض أن يكون أوسكارياً –بمعايير الاكاديمية نفسها- عنوان مثير ومستفز، بيئة أوائل الثمانينيات وحبكات مضمنة لعصابات الجريمة المنظمة. فيلم شاندور الثالث يبدو واعداً وطازجاً مقارنة بمحاولات تقليد أسلوب مارتن سكورسيزي التي جعلت فيلماً عادياً مثل American Hustle يتحصّل على حفنة من الترشيحات الأوسكارية قبل عامين. عموماّ تلك أذواق أعضاء الأكاديمية الأمريكية وهي ليست مهمة أو مفيدة بالضرورة. هذا فيلم نادر في استحقاقه الاهتمام لما لا يحتويه بالأساس. العنف هنا بدون ألعاب المسدسات والرصاص، تدور أحداثه في فترة محددة جداً ويرفض إغراء فتشنة (fetishism ) تلك الفترة (يمكن للقاريء إسترجاع العديد من الأفلام الأمريكية التي قتلت فترة الثمانينات حنيناً وسخرية كذلك). بالتأكيد هو فيلم نيويوركي ولكن مانهاتن دائماً على الجانب الآخر للنهر أو في الأفق البعيد، والأكثر إثارة من كل ذلك هو اهتمامه فعلاً بطريقة العمل التجاري " business of business".

يبدو الفيلم من بدايتة غارقاً في مفارقة تضع التقدم الاقتصادي وتراجع المجتمع المتحضّر جنباً إلى جنب. الاذاعات تعلن عن جرائم القتل والسرقة والاغتصاب والطعن العشوائي في أنحاء نيويورك، في الوقت نفسه يلتقي موراليس بمحاميه (ألبرت بروكس) لتوقيع العقد الجديد. "استيقظت اليوم بشعور جيد حول هذا" يقول المحامي قبل أن يدخلا مقطورة معتمة لدفع عربون الصفقة. "الآن قد وضعت كل ما أملك، أحب ذلك" يضع موراليس جلّ مدخراته من أجل الصفقة بانتظار القرض البنكي لترسيم العقد في غضون ثلاثين يوماً.

مثل أعمال بينيت ميلر /Bennett Miller الخالية من الجنس، يعمد شاندور لتقليل الدراميات وينزع نحو رمزية ثقيلة وفاقعة أحياناً. ميلر الذي يضايق شخصياته بايقاعات جنائزية وتعبيرات بدنية حادة (براد بيت ومضغه المجنون في " Moneyball, 2011" شانينج تاتوم وأسنانه السفلية وراء العلوية في " Foxcatcher, 2014") يشابهه شاندور بتوجيه شخصياته لمواقف تؤكد معضلاتهم الأخلاقية الوجودية وتعلي من تأثيرها على سير الأحداث: روبرت ريدفورد ونزالاته مع الحياة البحرية والنمط الإستهلاكي في " All Is Lost, 2013" يبقى مثالاً إستقطابياً يمكن إشراكه مع حادثة صدم الآيل بسيارة يقودها أبيل موراليس في " أكثر الأعوام عنفاً". ولكن بينما يقوم ميلر بوضوح في "Foxcatcher" بانتقاد "القيم الأمريكية" على حساب نوايا شخصيات الفيلم؛ فإن شاندور يثابر باصرار على مسألة أولويات شخصياته على إمتداد أمثولاته عن الفساد الأخلاقي المتأصّل للرأسمالية.


المصوّر السينمائي برادفورد يونج/ Bradford Young يصوّر محادثاته في غرف خافتة الإضاءة، تقابلها ممرات ساطعة وامتداتها الخارجية، شوارع مدينته قاحلة وباردة رغم دفء الغروب البرتقالي. العنصر البصري هو انعكاس صارخ لكلّ من مزاج موراليس ومعضلاته الأخلاقية: بمعارضته العنيدة للخداع والسلوك الاجرامي؛ يمكن لموراليس رؤية عمله وسمعته من خلال شرنقة النبالة. ولكن قوى خارجية تخدش تلك الصورة حين يدرك أنه سيكون مضطراً ليس للاقتراض فقط ولكن التضرّع وحتى السرقة من أجل شقّ طريقه في "أرض الأحلام"، لابد أن تتسخ يده. أولى مواجهاته مع ذلك الواقع تأتي مع ذلك الآيل الجريح على الطريق في الليل، والثانية في مطاردة نهارية بالسيارة وعلى الأقدام في أطراف المدينة.

ولع شاندور بالمفارقة الظرفية يكتسب توكيله من كفاءة اسبرطية لطريقته الاخراجية ومعظم ممثليه كذلك. شخصية آنا تمت إساءة إدارتها، تظهر في لحظات درامية صغيرة في حين تكون أكثر ملائمة للدخول في السرد. كذلك موراليس؛ شخصية مثيرة للفضول بدون خلفية إجتماعية وعرقية واضحة. يبدو إيزاك مصبوباً في الدور وتم غرسه في الفيلم خارجاً من أفلام مارتن سكورسيزي الثمانينية، يؤدّي تلك المونولوجات التعبيرية الجادة عن كيفية النجاح في العمل محتفظاً بالنزاهة حتى بعد أن بدا واضحاً أن الطريق الوحيد للحفاظ على إسمه التجاري هو الابتزاز والعمل القذر. في تقليد لآل باتشينو ودوره الخالد مايكل كورليوني، يبدو أن بوصلة موراليس الأخلاقية تعطيه قدرة بدهية على خداع الذات، ومقدرة على إعادة تقويم تلك البوصلة بأقل قدر من تدمير الصورة الذاتية. أداء صارم ومقنع يركّز كلياً على الأبعاد الأخلاقية لمسألة إتخاذ القرار. يؤكد الفيلم على أن مثل ذلك العمل يتطلّب الفساد، ولا يتأتي تشويقه المعتبر (نظراً لنوع الفيلم دراما، جريمة، أكشن) من خلال كيفية التصرّف ولكن من سؤال سابق حول إمكانية الإضطرار لقبول إختيار ما.

«أكثر الأعوام عنفاً» يعطي نظرة فاحصة على عالم ملتوى ما من شيء فيه مستقيم وواضح رغم كل النوايا الطيبة ولا ينفكّ يعيد التذكير بقصة فاوست الذي باع نفسه للشيطان. التصوير في أجواء شتوية كئيبة وباردة يعطي شعوراً بخطر التجمّد حرفياً وأخلاقياً كذلك. تصميم الإنتاج (production design ) يحتاج تحية. موسيقى Alex Ebert المستوحاة من فريق Suicide معبّرة وكاشفة. إيزاك يمنح إتصالاً بصرياً أصيلاً، وتشستاين تسرق العرض حين تظهر. ولكن جوّ الفيلم المتقلب والتمثيل الجيد لا ينقذان سيناريو الفيلم الذي يحتاج لعمل أكثر.

الفيلم: A Most Violent Year
تأليف وإخراج: J.C. Chandor
إنتاج: 2014